الصفحة 61 من 62

أقسام نواقض الإسلام من حيث الإجماع والخلاف

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:

فقد فاتَني أثناء كتابة المقالات السابقة في نواقض الإسلام فوائدُ وتنبيهاتٌ كثير منها عزمت على كتابته ونسيتُ ذلك في موضعه، ومنها ما استجدَّ لديَّ أثناء كتابة المقالات فأخَّرته إلى ما بعد الفراغ منها، ومنها (أقسام نواقض الإسلام) ، وقد ذكرت من أقسام النواقض ما يختلف به الحكم، أو يُحتاج إليه في تصور النواقض وفهمها، وأعرضت عمَّا عدا ذلك من الأقسام؛ فمن الاعتبارات التي تُقسَّم بها نواقض الإسلام الإجماع والخلاف على الناقض، ومنها التقسيم باعتبار المتعلق فهي قولية أو عملية أو اعتقادية، ومنها التقسيم باعتبار الترك والفعل ولكل من هذه الأقسام فروعٌ مختلفة، وسنذكر ما يتعلق بهذه التقسيمات في مقالات آتية إن شاء الله، وسنذكر ما يتعلق بتقسيم نواقض الإسلام من حيث الإجماع والخلاف في هذا المقال:

فمن النواقض: المجمع عليه، والمختلف فيه؛ والمجمع عليه قسمان:

الأول منهما: ما هو أصل دين الإسلام لا يصح الإسلام إلا به وذلك أصل وجود الله وربوبيته وإفراده بالعبادة واستحقاقه الكمال في الإجمال، فلو جهل أحدٌ وجود الله أو جحد أنَّه الخالق أو أقرَّ بذلك وادّعى أنَّه أحد البشر، أو جحد استحقاقه جل وعلا الكمال، كان كافرًا لا أثر لبلوغ الحجة إليه بالاتفاق، وقد تقدَّم طرف من مباحث هذه المسألة.

والثاني منهما: ما هو من الأصول التي يصح إسلام الجاهل والمتأول بدونها، فمنها المعلوم من الدين بالضرورة فيُحكم لكل أحدٍ بعلمه كفرض الصلاة وتحريم الزنا ويكفر من أنكرها، ويُلحق به من كانت معلومة عنده بالضرورة لمعرفتنا بحاله، ويُستتثنى منها من أمكن جهله بالمعلوم من الدين ضرورةً كالجارية التي زنت وتجهل حرمة الزنا وقد درأ عنها الفاروق الحدّ لأنَّها حديثة عهد بإسلام، وقد ذكر بعض أهل العلم ثلاث صور يُعذر فيها الجاهل: حديث العهد بإسلام، ومن نشأ ببادية بعيدة، وهاتان الصورتان من هذا القسم لا يصحُّ تنزيلهما على أصل دين الإسلام ولا يقول بذلك أحد، والصورة الثالثة هي المسألة الخفية، وهو القسم التالي: المعلوم من الدين بالاستدلال والنظر؛ والاجتهاد فيه غير سائغٍ لأنَّه يكون مخالفًا للإجماع أمَّا الاجتهاد السائغ فيأتي عند ذكر المختلف فيه، ولكنَّ كونه اختلافًا غير معتبر لا يجعله معلومًا من الدين بالضرورة، ومثال ذلك: كفر من ظاهر الكفار على المسلمين، وكفر من حكم بغير ما أنزل الله وحكَّم قانونًا وضعيًّا، فهاتان المسألتان مع صحَّة الإجماع عليهما إلاَّ أنَّ الوصول إليه لا بد فيه من استدلالٍ، وقد يجهله كثير من طلبة العلم فضلًا عن العامة، إلى ما يُشكل على من لم يحقِّق المسألة من الآثار المختلفة عن السلف، والأقوال المتعارضة عن أهل العلم، فلا يكفر من خالف فيهما أو جهل الإجماع.

أمَّا النواقض المختلف فيها؛ كترك الصلاةِ والسِّحر وترك الزكاة أو شيءٍ من نواقض الإسلام، وكالامتناع عن الشعائر والقتال على ذلك، فللمخالف فيها حالان:

الحال الأولى: أن يكون خلافه مستندًا إلى أصول أهل السنة والجماعة، فهذا معذورٌ في خلافه مصيبٌ أحد الأجرين، كمن يُخالف في كفر الساحر جريًا على الأصل، ويحمل النصوص الدالة على كفر الساحر على من استعمل الشرك في سحره، ويرى أن لو سحر أحدٌ غير مستعملٍ للشرك لم يكن كافرًا، وقد يجعل سحر الشياطين المذكور في الآية مشتملًا على الكفر فلذلك كفروا ومن تعلَّمه وعمل به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت