وهذه المسألة من مسائل فروع الاعتقاد التي تذكر تبعًا لأصولها، فكان الغلط أنَّ من الناس من ألحقها بأصلها وشدَّد فيها ووالى وعادى عليها، ولم يفرِّق بين أصول الاعتقاد، ومسائل الاجتهاد منه التي يُعذر فيها المخالف والخلاف فيها قديم منذ الصحابة، ظنًّا منه أنَّ كل ما في كتب الاعتقاد من أصول الدين التي لا يسوغ الاجتهاد فيها.
ومن الغلط أيضًا: تعظيم مسائل الفروع التي تُذكر في مصنفات العقيدة وإن لم تكن من مسائل الاعتقاد أصلًا لا الفرعية ولا الأصلية، كذكر بعض السلف مسألة الجهر بالبسملة وأنَّها لا تسن في كتب الاعتقاد، وهي مسألة خلاف بين أهل السنة والشافعية يقولون بها ودليلها قويٌّ وإن كان الإسرار أرجح، وذهب ابن تيمية إلى الإسرار مرة والجهر مرة ورآها مما السنة فيه التنويع، وذكر بعض السلف في كتب الاعتقاد عدم القنوت في الفجر إلا للنوازل، والشافعي يرى القنوت في الفجر سنةً مطلقًا لنازلة أو لغيرها مستدلاًّ بأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فليست من مسائل الاعتقاد الأصلية ولا الفرعية.
ومن الغلط: أن تُؤخذ عبارات من عُرف عنه الإمامة في السنة والاعتقاد، كأئمة السلف والبربهاري وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وبعض أئمة الدعوة ومن توهمه الناس سائرًا على طريقتهم ممن بعدهم: أن تؤخذ عباراتهم أصولًا وعقائد لا يسوغ لمخالف أن يُخالفها، وغالب ما يكون هذا فيمن لم يشتهر له شيء إلا الكلام في الاعتقاد كالبربهاري، فترى من الناس من يجعل هذه المقالات أدلةً مستقلة، تستنبط منها الأحكام دون تعريج على الكتاب والسنة وألفاظهما، ويتفرع على هذا الغلط في الحكم على بعض الناس بالكفر، أو العكس في عذر بعض من لا يُعذر لعبارة مجملة أو فهم غلطٍ لها، كما وقع من أحد الأفاضل في تكفير الرافضة الموجودين اليوم إذ استشهد بكلام لابن تيمية قال فيه: (ومن قال: إن الثنتين وسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفرًا ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، بل وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة، فليس فيهم من كفَّر كل واحد من الثنتين وسبعين فرقة) ، فاستدل بكلامه على عدم تكفير الرافضة وعلى أنَّ هذا مذهب أهل السنة، وهذا غلط قبيح ووهَم شنيع، فليس في كلام ابن تيمية رحمه الله منع تكفير واحدة من الفرق، بل فيه الرد على من كفر جميع تلك الفرق عدا الطائفة الناجية، والذي نفاه ابن تيمية عن السلف والأئمة هو تكفير كل واحدة من الثنتين والسبعين فرقة، لا تكفير واحدةٍ منها، ولابن تيمية من الكلام في هذه المسألة ما يبين هذا الغلط.
ومن صور الغلط في هذا الناقض: أنَّ من الناس من اعتمد كتابًا من الكتب التي خصصت بعض أبواب الاعتقاد فجعلها أصول الدين كلها فمنهم من اعتمد رسالة نواقض الإسلام فلم يقبل ناقضًا غيرها، أو اعتمد كتاب التوحيد فلم يجعل توحيدًا غيره، وأهمل في ذلك توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، ومن الناس من عكس ذلك، فاعتمد كتب السلف في الأسماء والصفات حيث كثر في وقتهم الابتداع فيها، فجعلها الدين كله والتوحيد كله واتهم من صنف بعد ذلك في مسائل أنواع التوحيد الأخرى بالزيادة والابتداع، وكل ذلك من اعتمد اصطلاحات ورسوم حادثة في العلم وإحلالها محل الحقائق الشرعية.
فالواجب على أهل العلم وطلابه الرجوع إلى الكتاب والسنة والنظر في الكتب المصنفة من تصانيف السلف فمن بعدهم، والبعد عن الإفراط في الاتباع الموصل إلى التقليد، والإفراط في تركه المفضي إلى ألوانٍ من الابتداع، والله ولي التوفيق.