إدخال الاصطلاحات العلمية في الحقائق الشرعية (2/ 2)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:
فإنَّ الدين منه ما هو أصلٌ إذا زال خرج صاحبه إلى الشرك والكفر أو إلى البدعة والضلالة، ومنه ما هو فرع يسوغ فيه الخلاف ويُعذر المخالف، ويكون تاركه مفرطًا عاصيًا غير مبتدع ولا مشرك، والمخالف فيه مجتهدًا مأجورًا أو مخطئًا معذورًا، وقد صنَّف أهل العلم مسائل العلم المصطلح على تسميته بعلم الاعتقاد في كتب، وفيه فروعٌ كما في غيره من العلوم، وفي العلوم الأخرى أصول كما في هذا العلم، ولكنَّ أغلب أصول الدين داخلة في علم الاعتقاد خاصة ما وقع فيه الخلاف بين أهل السنة وأهل الأهواء، فلذلك غلب تسمية هذا العلم بعلم أصول الدين، واشتهر به حتَّى توهَّم كثير من الناس أنَّ أصول الدين كلها من هذا العلم وأنَّ الفروع من غيره.
وقد أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذه القسمة من هذا الوجه، وأطال في المسألة في مواضع من كتبه، وضرب أمثلةً بالصلاة ونحوها من أصول الدين وهي على هذا الاصطلاح من الفروع، وتكلم عن المسائل الدقيقة في علم الاعتقاد وبيَّن وقوع الاختلاف فيها فقال: مسائل الدقّ في الأصول لا تكاد تتفق عليها طائفة من السلف، الصحابة والتابعين فمن بعدهم.
وقد نشأ عن هذا الغلط تعظيم مسائل الفروع التي تُذكر في كتب الاعتقاد على وجه التبع أو التفريع على أصلٍ من أصول الدين، ثم التعصب لها والتشنيع على من خالف فيها وعقد الولاء والبراء عليها، كما تجد ذلك في مسألة تعليق التمائم التي فيها القرآن؛ فإنَّ الإمام أحمد سئل عنها فقال: اختلف فيها الصحابة فعبد الله بن مسعود ينهى عنها وعبد الله بن عمرو لا يرى بها بأسًا، واختلفت الرواية عن أحمد فيها فرُوي عنه جوازها ورُوي عنه المنع، وهي مسألة من مسائل الفروع تُذكر تبعًا لمسألة التمائم، بخلاف التميمة التي فيها كلام غير مفهوم أو شركٌ معلوم كدعاء الصالحين ونحوه، فنشأ عن ذكر هذه المسألة في كتب التوحيد أن تعصَّب لها ناس، وقالوا فيها ما لم يقله أحد من أهل العلم، حتَّى من ذكر المسألة في مسائل التوحيد كالشيخ محمد بن عبد الوهاب وشرَّاح كتابه جميعًا ليس فيهم من غلَّظ في هذه المسألة حتى وجد اليوم من غلَّظ فيها تغليظًا مزيدًا، ووالى وعادى عليها، بل قد بلغ الأمر إلى تكفير من يعلِّق التميمة عند بعض الجهلة، ووقع هذا في أفغانستان أيام الجهاد الروسي كثيرًا، حتَّى كان ناس يعادون قائدًا من قادة الجهاد من أهل التوحيد لأنَّ معه من يلبس التمائم، وعند سؤال غالبهم يظهر أنَّ فيها القرآن حقيقة فهي من التمائم المباحة في قول بعض السلف، أو أنَّهم يظنون فيها قرآنًا فإذا نظر فيها وعلم أن الذي فيها ليس من القرآن مزَّقها وهذا الذي يتعلقها يظن أن ليس فيها إلا القرآن معذورٌ بالاتفاق، كما ذكر الشيخ عبد الله عزَّام رحمه الله.
وليس المراد من هذا أن يُتساهل في تعليق الودع والخيوط ونحوها مما لا اختلاف في كونه من البدع وقد يصل إلى الشرك، ولا التساهل في تعليق التمائم التي لا يُدرى ما فيها، ولا التساهل في ترك بيان هذا الحكم بل يجب تحذير الناس من التمائم المحرمة، وتعليم الجاهل والإنكار على المعاند، لكن بعد أن يعرف المُنكِر حكمها ويميّز ما يُنكر منها وما لا يُنكَر.