الصفحة 50 من 62

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:

فإن من موارد الغلط في المسائل العلمية عمومًا، وفي الكلام على مسائل الإيمان ونواقض الإسلام بخصوصها: أن يُعلَّق الحكم الشرعي بالاسم اللغويِّ المخالف للمعنى الشرعي المراد، وقد يكون ذلك: 1 - لتعدد المعاني اللغوية للكلمة فيُعلَّق الحكم بمعنى غير المراد، أو 2 - لتعدد الحقائق الداخلة تحت اسم لغوي واحد، فيعلق الحكم بما ليس مرادًا منها 3 - أو لأن الشريعة نقلت الاسم عن المعنى اللغوي إلى معنى شرعي خاص بتقييد أو استعارة أو غير ذلك مما هو معروف من مباحث أصول الفقه.

ويقع الغلط في هذا الجانب في نواقض الإسلام كثيرًا، وسنذكر ثلاثة أمثلةٍ لذلك يُعرف بها ما عداها من المسائل والفروع المختلفة وطرق الاستدلال عليها.

المسألة الأولى: اسم الإله، حيث له في اللغة معنىً هو أصل الاشتقاق، وهو المحبوب غاية الحبِّ، مشتقٌّ من الوله، وإن كان هذا المشتق بخصوصه: الإله لم يُستعمل إلا لمعنى المعبود، وله في اللغة أيضًا معنىً آخر منقول عن ذلك المعنى وهو المعبودُ.

فمن الناس من التفت إلى أصل الاشتقاق، وأدخله في معنى الإله، وجعل الإله هو المحبوب غاية الحب، وفسر بذلك لا إله إلا الله، ولا شكَّ أن هذا جزء من المعنى المثبت لله عز وجل، ولكن لا يُفهم منه أن اتخاذ الإله لا يكون إلا بمحبته غاية المحبة، بل قد يكون اتخاذ الإله بصرف العبادة له رغبةً أو رهبةً ولو أبغضه، كما هو حال كثير من عباد القبور الذين يعبدونها لأجل ما يصلهم من أموال، أو بعض أصحاب الملل الذين يعبدون آلهةً للشر ويكرهونها ويبغضونها، ولكن يعبدونها خوفًا دون محبة، فعلى هذا القول لا يكونون متخذين لها آلهة، وهذا باطل.

وأهمية هذه المسألة، من جهة أن فهم كلمة التوحيد لا إله إلا الله يتعلق بها ويعتمد عليها، والغلط المذكور آنفًا يلزم منه لوازم كثيرة من أقوال المرجئة، ووقع كثير من الناس في الزلل بسبب غلطهم في معنى الإله، حتى كانت المسألة من أعظم مسائل الحجاج والخلاف بين الموحدين والمشركين.

المسألة الثانية: بغض ما أنزل الله به الرسول، وللبغض معنى لغوي واحد، إلا أنه يتناول جهتين: البغض الطبعي، والبغض الإرادي، فأما البغض الطبعي فإنه لا يكون كفرًا إذا لم يكن معه بغض إرادي، لأن البغض الطبعي ليس متعلقه الأمر الشرعي وصفته الشرعية، بل متعلقه ما يتضمنه الأمر الشرعي من المشقة، كما قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ) ، فذكر أن القتال كره لهم، ومع ذلك لم يكن ذلك كفرًا، وكره القتال كره طبعي كما هو ظاهر، بخلاف لو أطلق كره الجهاد فإنَّ إطلاقه لا يجوز لما فيه من التلبيس، ويحتمل كره المشقة التي يتضمنها كما يحتمل كره الحكم الشرعي.

ومثله كره الإنفاقِ وبذل المال فإنَّه ليس كفرًا بل أكثر ما فيه الشُّحُّ، أمَّا كره الصدقة والزكاة فلا يجوز إطلاقه لما فيه من الإيهام، وهو محتمل للمعنيين: كره الأمر الشرعي كرهًا إراديًّا، وكره بذل المال كرهًا طبعيًّا ناتجًا عن طبيعة الإنسان فقد خُلق هلوعًا: (وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) .

والخلط بين هذين المعنيين للكره مزلقٌ من المزالق المؤدِّيَة إلى الغلوِّ في التكفير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت