الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، أما بعد:
فإنَّ الكفر قسمان، عمليٌّ واعتقاديٌّ، وكلُّ قسمٍ من هذين القسمين يكون كفرًا أكبرَ ويكون كفرًا أصغر، فالسجود للأصنام ووطء المصحف بالأقدام ونحو ذلك من الكفر العمليِّ الأكبر، واعتقاد شريكٍ لله في الخلق والرزق من الإحياء والإماتة هو من الكفر الاعتقاديِّ الأكبر.
ومن الأخطاء الشائعة التي تتابع عليها كثيرٌ من الناس، بل من الناس من لم يسمع غيرها: جعل الكفر العمليِّ اسمًا للكفر الأصغر، وجعل الكفر الاعتقاديِّ مرادفًا للكفر الأكبر.
ولا يخفى ما في هذا القول من ذريعةٍ إلى الإرجاء، فإنَّ مقتضى كون الكفر العمليِّ كفرًا أصغر والاعتقاديِّ هو الأكبر أن يكون الكفر بالاعتقاد فقط، وهذا مدار مقالات أهل الإرجاء بدرجاتهم، وإن كان من يستعمل هذا القول قد يتناقض فيسمِّي الكفر العمليَّ كفرًا اعتقاديًّا إذا كان أكبر، فيجعل من سجد للصنم كافرًا كفرًا اعتقاديًّا بمجرد سجوده وإن لم يعتقد اعتقادًا كفريًا، وهذا تناقضٌ في اللفظ والمعنى صحيح.
وسببُ هذا الغلط هو الخلط بين النفاق في هذا التقسيم والكفر، فإنَّ النفاق ينقسم كالكفر قسمين:
نفاقًا عمليًّا وهو النفاق الأصغر، ونفاقًا اعتقاديًّا وهو النفاق الأكبر، فالكذب في الحديث والخلف في الوعد والخيانة إذا اؤتمن، والفجور في الخصومة، كلُّها من أمارات النفاق العملية التي يُخشى على صاحبها من النفاق الاعتقاديِّ، أمَّا النفاق الاعتقادي فهو ما ذكر الله عز وجل عن المنافقين الأُوَلْ من العقائد الكفرية كظنِّ أنَّ الله يخذل دينه وأهل دينه ولا ينصرهم، وأنَّ المشركين يستأصلون بيضة الإسلام ويقتلعون شجرته، ومثل اعتقادهم بغض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاداته، ونحو ذلك.
وسبب الفرق بين النفاق والكفر في هذا التقسيم، وكون النفاق العملي نفاقًا أصغر دائمًا بخلاف الكفر العمليِّ، هو أنَّ النفاق في أصله أمرٌ قلبيٌّ، ولو ظهر النفاق على العمل كان ردَّةً وكفرًا صريحًا، وإن كان صاحبها قد يُسمَّى منافقًا بسبب ما يُخفى من مزيد الكفر.
وبهذا يظهر الفرق بين اسم (المنافق) واسم (النفاق) ؛ فالنفاق لا يكون إلاَّ اعتقاديًّا، أما (المنافق) فإنَّ ما أخفاه من الكفر وكان في اعتقاده يسمَّى نفاقًا، وإن أظهر شيئًا من كفره لم يسمَّ نفاقًا بل يسمَّى كفرًا صريحًا، وإن كان يبقى له اسم المنافق بقاءً على الأصل الذي بنى عليه دينه وهو أنَّه يُبطن الكفر، وكذلك لأنَّه يخفي بعض الكفر وإن أعلن بعضه.
فلو قال قائلٌ بوجود نفاقٍ عمليٍّ أكبر، وقيل له: ما هو النفاق العمليُّ الأكبر؟ فإنَّه لن يأتي بمثالٍ إلاَّ كان من الكفر الظاهر وليس من النفاق، ولو أنَّه أظهر نفاقه وجاهر به وأسمعه الناس كان هذا الذي أظهره كفرًا ظاهرًا مُعلنًا.
وإن كان المنافق قد يُظهر بعض ما في قلبه للمنافقين مثله اطمئنانًا إليهم وثقةً بهم، وربما ظهرت منه الكلمة التي يسمعها منه الرجل أو تكون من لحن القول، ولكنَّه في مثل هذه بين أمرين: أن تظهر منه وتثبت عليه فيكون كافرًا صريحًا، وأن تختفي ولا تثبت فتكون ملحقةً بما يُبطنه لأنَّه الغالب من أمر نفاقه.
ولهذا لم يكن لقسمة النفاق العملي إلى أكبر أو أصغر موجِب، وبهذا افترقَ عن الكفر الذي يكون بالقلب واللسان والعمل، أمَّا النفاق فلا يكون إلاَّ بالقلب في الأصل.
وعلى هذا فالكفر ينقسم أربعة أقسامٍ:
••الكفر العمليُّ الأصغر: كالطعن في الأنساب والنياحة على الميّت.
••والكفر العمليُّ الأكبر: كالسجود للصنم وإعانة الكفار على المسلمين.