الصفحة 13 من 35

أما قول الذهبي"فإنه توفي على طريقة حميدة"فإنه ظاهر في وصيته التي أوصى بها تلميذه إبراهيم بن أبي بكر الأصبهاني لما حضرته الوفاة وهي عند التاج السبكي [1] .

وهذا النوع من النفاق لا يستقر على حال، تأتيه أنوار الإيمان فيرتقي بها، ويخرج من شبهته، فإذا حصلت له الظلمة وانطفأت عنه معالم الهدى وأنوار الإيمان انتكس ووقف، فحينًا تخرج منه علوم الشريعة وأنوار الهدى، فيكتب ويصنف في الدين وعلومه، ويتكلم عن الإيمان وحقائقه وواجباته، وبينما هو كذلك إذ تراه بعد مدة يكتب في الظلمات: السحر والطلاسم ونفي الحقائق، ويعرض عن الطاعات، فهو حائر متردد، والله أعلم على أي حال يأتيه الموت، وقد تقدم لك حال الفخر الرازي عند موته.

فإن سألت عن حكم هذا الصنف فكل أمرهم إلى الله إلى أن تقوم قرينة قوية تغلب لديك أحد الأمرين، ولكن الحكم على الكتب ظاهر بيّن فمنها كتب إيمانية تقرأ ويستفاد منها، وأخرى شيطانية ترد ويحذر منها.

وهؤلاء وجودهم في كل زمان، إذ أن هذا النفاق (الشك والحيرة) قد يعتري قضايا العقائد والأمور الخبرية، مثل الإيمان بالجن أو اليوم الآخر الجامع للناس، أو أي خبر من أخبار الكتاب والسنة، أو يصيب المسائل الطلبية والتي لها تعلق بالأمر والنهي، ومثله ما ذكره عن المعري في تحريم ذبح الحيوان، أو مثل محمد بن هارون الوراق أبي عيسى، قال ابن القيم في طريق الهجرتين: ولما انتهى أبو عيسى الوراق إلى حيث انتهت إليه أرباب المقالات فطاش عقله ولم يتسع لحكمة إيلام الحيوان وذبحه صنف كتابًا سماه"النوح على البهائم"فأقام عليها المآتم وناح، وباح بالزندقة الصراح، وممن كان على هذا المذهب كان أعمى البصر والبصيرة كلب معرة النعمان المكنى بأبي العلاء المعري، فإنه امتنع من أكل الحيوان، (زعم) لظلمه بالإيلام والذبح [2] .

ومثلها الإعتراض على حكمة الله في قدره وخلقه وما يعتري النفوس عند نزول المصيبة.

واما أمثلة المسائل الخبرية فأكثر من أن تحصى وتعد، وفيه اصطرعت الفرق والنحل في تاريخ أهل الإسلام، والله الهادي لدينه وشريعته.

ويدخل في هذا النوع ومثله أصحاب المعاصي: قال ابن رجب في فتح الباري: الإصرار على المعاصي وشعب النفاق من غير توبة يخشى منها أن يعاقب صاحبها من سلب الإيمان بالكلية، وبالوصول إلى النفاق الخالص وإلى سوء الخاتمة، نعوذ بالله من ذلك، كما يقال: إن المعاصي بريد الكفر [3] .

ويدخل في هذا النوع أيضًا المقلدة والجهال [4] ، وهؤلاء تعتريهم الشهوات فتأخذهم إلى أقوال ضالة كافرة، وكذلك تشغلهم عن الذكر والطاعات فتقسو قلوبهم وتصل بهم إلى الإعراض عن دين

(1) لسان الميزان4/ 426.

(2) طريق الهجرتين لابن القيم بتحقيقي ص251.

(3) فتح الباري لابن رجب1/ 197.

(4) انظر مدارج السالكين لابن القيم1/ 351.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت