فهرس الكتاب
26)نؤمن أن ديار المسلمين التي حكمت بأحكام الكفر هي ديار مركبة جامعة للوصفين، وصف دار الكفر من جهة الأحكام الجارية ووصف دار الإسلام من جهة أهلها، وكل بحسبه فيها فالمسلم مسلم والكافر كافر، والأصل في أهلها الإسلام سواء منهم المعروف أو المستور الحال.
أعلم إن ديار المسلمين أو دار الإسلام هي البلاد الخاضعة لسلطات المسلمين وحكمهم.
وان دار الكفر هي البلاد الخاضعة لسلطان الكافرين وحكمهم قال ابن القيم رحمه الله: (قال الجمهور: دار الإسلام هي التي نزلها المسلمون وجرت عليها أحكام الإسلام، وما لم تجر عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام وان لاصقها) [1] .
أما كون ديار المسلمين التي حكمت بأحكام الكفر هي ديار مركبة جامعة للوصفين هو أن الأصل في هذه الدار كان الحكم فيها للمسلمين بكتاب الله وسنة رسوله ولما أصبحت الغلبة لأحكام الكفر والشرك صارت مركبة، ديار كفر باعتبار الحكم القائم بها وهو حكم الكفر، وكونها دار إسلام من جهة أهلها المسلمون، ويبقى حكم الكافر فيها من مرتد أو كتابي أو مجوسي كل بحسبه فمن ظهر منه الإسلام والتزم أحكامه فهو المسلم ومن أظهر شعائر الكفر فانه يحكم بكفره، والأصل في أهل هذه الديار انهم مسلمون وهذه مقولة أهل السنة والجماعة أما أهل البدع فانهم يحكمون باللازم على أهل هذه الديار فمتى ما كانت الديار ديار كفر أي بأحكامها فان الأصل في الناس
الكفر، وهذا هو عين مذهب الخوارج وأعلم أن دار الكفر لا تسمى بديار كفر حصرا بسبب الأحكام الجارية عليها، بل بارتداد أهلها قال ابن قدامة رحمه الله: (ومتى ارتد أهل بلاد جرت فيه أحكامهم صاروا دار حرب في اغتنام أموالهم وسبي ذراريهم الحادثتين بعد الردة) [2] .
ونحكم على أهلها بان الأصل فيهم الإسلام حتى يتبين خلاف ذلك ثم يحكم بما ثبت من ذلك الخلاف.
والسنن منها كونية ومنها شرعية:
الكونية: ما يقع منها بأسباب عدم اعتبار السنن الشرعية للتوصل إلى دفع السنن الكونية، مثال ذلك ما يقع على المسلمين من ابتلاءات ومصائب، فهذه السنن وقعت بسبب الابتعاد عن دين الله والتفريط بتقوى الله عز وجل والإفراط والتمادي في ارتكاب الذنوب والمعاصي، فإذا كانت القدرة متوفرة على التزام أحكام الله فلا يجوز التخلف عنها وترك الالتزام معصية وعدم اعتبار هذه السنن زندقة من جهة نسبتها إلى غير الله عز وجل، كنسبتها إلى الطبيعة وما شاكل ذلك فأهل السنة يعتقدون بان السنن الكونية واقعة ومحققة لا محالة، ولا سبيل لدفعها إلا باعتبار السنن الشرعية وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
والله أعلم.
(1) أحكام أهل الذمة (1/ 366) ، دار العلم للملايين.
(2) المعني مع الشرح الكبير (10/ 95) .