ولما كان الإيمان شُعَبًا متعددة، فيمكنُ زوال بعضها مع بقاء بعضها الآخر، ويجتمع في الشخص الواحد بعضُُ شُعَب الإيمان مع بعض شعب الكفر، - الذي لا يحرج من الملة - فكذا الولاء والبراء - وهو من الإيمان - فيجتمع في الشخص الواحد موجب الوَلاية من جهة، وموجب العداوة من جهة أخرى، كما هو حال كثير منا - معشر المسلمين - ممن خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا؛ فالواجب أن نحبهم ونواليهم لما معهم من إيمان وصلاح، كما نبغضهم على قدر معاصيهم وتفريطهم.
يقول ابن تيمية: (أما أئمة السُّنَّة والجماعة فعلى إثبات التبعيض في الاسم والحكم، فيكون مع الرجل بعض الإيمان، لا كله، ويثبت له من حكم أهل الإيمان وثوابهم بحسب ما معه، كما يثبت له من العقاب بحسب ما عليه، وولاية الله بحسب إيمان العبد وتقواه؛ فيكون مع العبد من وَلاية الله بحسب ما معه من الإيمان والتقوى) [1]
ويقول أيضًا: (والمؤمن عليه أن يعادي في الله ويوالي في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه، فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية) .
قال تعالى: (( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) ) (الحجرات:9) . (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) ) (الحجرات:10) .
فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم، وليعلم أن المؤمن تجبُ موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن الله - سبحانه - بعث الرُّسل وأنزل الكُتٌب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه والبُغض لأعدائه، وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وبر، وطاعة، ومعصية، وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعادة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات
(1) - شرح الأصفهانية ص (144) .