الصفحة 9 من 11

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: في شأن هذه الآية - (فهذا التأييد بروحٍ منه لكل من لم يحبّ أعداء الرسل، وإن كانوا أقاربه، بل يحب من يؤمن بالرسل وإن كانوا أجانب، ويبغض من لم يؤمن بالرسل وإن كانوا أقارب، وهذه ملّة إبراهيم) . [1]

ويقول أيضًا: ["فمن فرّ من حكم الله ورسوله أمرًا وخبرًا، أو ارتدّ عن الإسلام، أو بعض شرائعه خوفًا من محذور في عقله، أو عمله، أو دينه، أو دنياه، كان نصيبه من الشر أضعاف ما ظنّه شرًا في اتباع الرسول، قال تعالى: (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا ) ) (النساء:60) . (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ) ) (النساء:61) . (( فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ) ) (النساء:62) [2] وتأمل قوله تعالى في حق إبراهيم صلى الله عليه وسلم: (( فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا ) ) (مريم:49) (( وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ) ) (مريم:50) . فهذا ظاهر أن اعتزال الكفار سبب لهذه النعم كلها، ولهذا الثناء الجميل. [3] "

ونختتمُ هذه الرسالة بالجواب عما يظنه بعضهم، أن تحقيق الولاء والبراء قد يُؤدي إلى نفور الكفار عن الإسلام؛ وليس الأمر كذلك؛ فإن الله تعالى- وهو أرحم الراحمين- وهو سبحانه- أحكم الحاكمين- حيث شرع بُغض الكفار وعداوتهم ... (( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) ) (الملك:14) . فلا يتوهم أن تحقيق شعيرة البراءة من الكافرين يؤول إلى مجانبة الإسلام، بل إن الالتزام بهذه الشعيرة - وسائر شرائع الإسلام - سببٌ في ظهور الإسلام وقبوله، كما

(1) - الجواب الصحيح (1/ 256) .

(2) - النبوات (1/ 439) .

(3) - منهاج الصواب في قبح استكتاب أهل الكتاب ص (52) وانظر أضواء البيان للشنقيطي (2/ 485) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت