فهرس الكتاب
وكم يسقط ويهبط الداعية إذا زلّ بشيء من هذه المزلات، فما هذه الحال التي نعايشها اليوم من انعدام ثقة الناس بالقيادات الإسلامية وبالعلماء إلا واحدة من ثمرات هذه المزلة.. وكم يصغر في أعين الطغاة أنفسهم وتنتزع هيبته من قلوبهم، فلا يخافونه ولا يخشون دعوته.. ولا يحسبون له عند ذلك أي حساب.. أما إذا رأوا منه صلابة وثباتًا كثبات الجبال، وبراءة وإباء وترفعًا عن الالتقاء بهم في أي نقطة من نقاط طرائقهم المخالفة لمنهج الدعوة القويم فعند ذلك يحسبون له ألف حساب ويلقي الله الرعب المهابة في قلوب الطغاة.. كما كانت هيبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفوس الكفار.. وكما كان يُنصر بالرعب من مسيرة شهر.. فالحذر من هذه المنزلقات.. والحذر من السقوط في ألاعيب الطغاة..
أخيرًا.. فقد بيّن الله عز وجل لنا هذه المخطّطات، وكشف لنا تلك الألاعيب، وحذّرنا منها.. وأعطانا الحل والعلاج.. وأرشدنا إلى الطريق الصحيح، فقال مباشرة قبل قوله: { ودوا لو تدهن فيدهنون } [القلم: 9] ، قال: { فلا تطعْ المكذّبين } [القلم: 8] .
لا تطعهم.. ولا تركن إليهم، ولا تقبل أنصاف حلولهم.. فإن ربك قد أعطاك الدين الحق، ودلّك على الصراط المستقيم، وهداك إلى ملة إبراهيم..
* ومثل ذلك تمامًا، قوله تعالى في سورة الإنسان وهي مكية أيضًا: { إنا نحن نزّلنا عليك القرآن تنزيلًا فاصبر لحكم ربّك ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا } [الإنسان: 24] ، وفي ذكر القرآن وامتنان الله عز وجل على نبيه بتنزيله عليه، قبل النهي عن طاعة الكفار الآثمين، بيان لطريق الدعوة الصحيح.. فإن هذه الطريق لا يختارها الدعاة من عند أنفسهم، وليس لهم أن يرسموها أو يحددوا معالمها كما يهوون أو يتخيرون.. وإنما هي ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين المذكورة المفصلة في هذا القرآن.