الصفحة 26 من 54

للمحيط، ولماذا هذا التأكيد على التنزيه ونفي التشبيه والرمي بالتفسيق والتكفير من أجل إثبات الضحك والمجيء والوجه لله تعالى، مع ثبوت هذه الصفات لله تعالى ولكن بدون تكييف ولا تشبيه فتكييفُ الصفات كتكييف الذات وقد حَفظنا في الصغر من المبادئ الأولية المتفق عليها قولهم: ...

وكل ما يخطر ببالك ... فربنا مخالف لذلك

بعد هذا يأتي الكرفطي بنحلة جديدة بل ملة مخترعة ترتكز على دعوى ألوهيته، ووقوع رؤية الله تعالى على صورته هو، وليتها كانت صورةً حسنة فقبحها الله من ملة وفكرة وصورة، وقد نقل المُلاَّ علي القاري [1] في (شرح الفقه الأكبر) قولَ بعض أصحاب العقائد فيمن جَوَّزَ رؤية الله يقظة في الدنيا وهم في زعم الكرفطي جماعة من الصوفية. وأجاد وأصاب هذا الناظم رحمه الله:

وَمَنْ قَالَ فِي الدُّنْيَا يَرَاهُ بِعَيْنِهِ ... فَذَلِكَ زِنْدِيقٌ طَغَى وَتَمَرَّدَا ...

وَخَالَفَ كُتْبَ اللَّهِ وَالرُّسْلَ كُلَّهُمْ ... وَزَاغَ عَنِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَأَبْعَدَا ...

وَذَلِكَ مِمَّنْ قَالَ فِيهِ إلَهُنَا ... يُرَى وَجْهُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَسْوَدَا [2]

يشير إلى قوله تعالى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُهُهُم مُّسْوَدَّة) [3]

ومن مشهور النقول المسلمة عن جمهور أئمة الحنفية فتوى قاضيخان في (فتاواه) أن (من قال: رأيتُ الله تعالى في المنام فهو أشد كفرًا من عابد الوثَن) [4] . وأشار إلى هذه الفتوى

(1) -لا أدري لِمَ لَمْ يأخذ التليدي بفتوى شيخه (الغوث) أحمد بن الصديق في علي القاري فقد قال في كتابه: (المثنوني والبتار) (ص:56) : (فإن نقله غير موثوق به لجهله بعلوم الحديث وعدم معرفته بموارد كلام أهله وكثرة الخطأ والأوهام في تصرفاته وأنقاله حتى لا تكاد تخلو له عبارة من ذلك) وفي المصدر نفسه (54) اتهمه بالحسد والبغضاء لأئمة العرب وقال عن رسالته تشييع فقهاء الحنفية: (أبان فيها عن جرأة خبيثة ووقاحة شنيعة) وفي رسالة له بتاريخ 27 جمادى الألى (وليس فيها ذكر السنة) : (المغفل) . كما في (تنبيه القاري إلى فضائح أحمد بن الصديق الغماري) (ص:69) .

(2) - قال شيخنا محمد بوخبزة: هذه الأبيات من المنظومة المعروفة بالشيبانية المنشورة بـ (مجموع مهمات المتون) قلت: في (ص:35) . طبعة دار الرشاد الحديثة.

(3) - سورة الزمر، الآية: (60) . انظر معناها في (تيسير الكريم الرحمن) (ص:674)

(4) - قال الشيخ أبو منصور الماتريدي: (هذا الرجل شر من عابد الوثن) . قال علي القاري: (إنما يكون شرًا منه لكونه يثبت لله تعالى ما لا يليق به من الكمية والكيفية في الهوية الألوهية الذاتية، وصدور المكان، ومرور الزمان، وسائر الأحوال والصفات التنزيهية، وقد يكون عابد الوثن خاليًا عن ذلك، فيكزن كفره بمجرد الإشراك) . (مرقاة المفاتيح، شرح مشكاة المصابيح) (8/ 380/381) . وزعم القاضي أبو بكر: (أن رؤيا الله تعالى في النوم أوهام وخواطر في القلب بأمثال لا تليق به في الحقيقة ويتعالى سبحانه وتعالى عمها. وهي دلالات للرائي على أمور مما كان ويكون كسائر المرئيات) . انظر هذا المنكر في (المدخل) لابن الحاج (4/ 290) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت