فهرس الكتاب
علي القاري في (شرح الفقه الأكبر) ، وذكر أنه أيَّدَها بنقول العلماء (الضخام) إلا أنه ردها وأحال على كتابه (المرقاة في شرح المشكاة) ، على أن كلامه كله يدور على الجواز بدون تكييف ولا تشبيه وعلى اشتهار نقل ذلك عن أبي حنيفة وسفيان الثوري وأحمد وغيرهم. وأجمل بيان ذلك في قوله: (وهو نوع مشاهدة يكون بالقلب للكرام، فلا وجه للمنع عن هذا المرام، مع أنه ليس باختيار أحد من الأنام) ، هذا كلامه في (شرح الفقه الأكبر) ، وهو تفسير غامض بأغمض منه، ومثله قول الفخر الرازي في (أساس التقديس) يجوز أن (يرى النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه في صورة مخصوصة من الأنام، لأن الرؤيا من تصرفات الخيال، وهو غير منفك عن الصور المتخيلة في عالم المثال) ، فتأمل-وفقك الله وهداك-هذا الكلام لتعرف في أي مهواة سقط هؤلاء الناس لما زاغوا عن الصراط المستقيم، وتخبطوا في بيداء لا مخرج لهم منها إلا بالرجوع إلى التوحيد الخالص، وحياطة جانب الألوهية والربوبية بسياج الهيبة الموجب للتعظيم البالغ والعبادة الخالصة، ولما ذكر السعد التفتازاني في (شرح العقائد النسفية) جواز رؤية الله في المنام وأنها حكيت عن كثير من السلف-وهذا لم يقله السعد تحققًا وإنما تقليدًا لأسلافه كما لا يخفى- قال: (ولا خفاء في أنها نوع مشاهدة يكون بالقلب دون العين) . كتب عليه محشيه يقول-ص:109 -: (يرد عليه أن البديهة [1] تشهد بأن المبصَر في المنام كالمبصَر في اليقظة من كونه مبصَرًا بالعين فإن فعل النوم ضرًا للإدراك فلا عبرة بتلك المشاهدة أصلًا. وإن لم يجعل ضرًا له فكما يعتبر بعض الإدراكات يجب أن يعتبر البعض الآخر ولا عبرة بانتفاء شرائط الإبصار في المبصَر في المنام كما عرفت ذلك) . ولا يخلو هذا التعمق من زلَلٍ فإلى أي ضابط نرجع في تحديد هذا الإدراك المعتبر وتعيينه، أن (المحجة الْبَيْضَاءَ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلاَّ هَالِكٌ) [2] . ولا التواء فيها ولا التباس، لأنها نزلت لهداية جميع الناس،
(1) - كتب فضيلة شيخنا عند هذه العبارة (البديهة) : (يعني الإدراك الفطري) .
(2) - ورد في هذا الاقتباس حديث صحيح. إلا لفظة: (المحجة) . فشاذة. والحديث رواه ابن ماجة في (المقدمة) (1/ 45/ رقم:43) . والمراد بـ (البيضاء) : أي: الملة والحجة الواضحة التي لا تقبل الشبه أصلًا. وقد جمع طرقه وألفاظه علي حسن في جزء مفرد انظره.