الصفحة 21 من 59

أسبابه:

تظهر هنا السلسلة التي أصلنا لها في صفة الشك في الدين. فهذا الإعراض ناتج عن الشك الذي هو ناتج عن مرض القلب الذي هو ناتج عن الذنوب. قال الله تعالى:

(( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) ) (المائدة) . فنقص يقينهم-أي شكهم-جعلهم يبغون حكم الجاهلية. وقال تعالى:

(( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وأن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون ) ). فإعراضهم ناتج عن الريب الذي هو ناتج عن مرض القلب.

وقال تعالى: (( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ) ) (المائدة) . فذنوبهم السالفة اقتضت إمراض قلوبهم.

فشك المنافق في الدين يجعل حساباته أرضية، فلا ينظر إلى المصلحة الأخروية في تطبيق أحكام الله تعالى، ويغريه له الشيطان بأن مصلحته الدنيوية في تحكيم الأهواء.

والمنافقون يعمدون إلى تحجيم صورة الإسلام وعرضه على أنه إنما جاء للقضاء على عبادة الأوثان فحسب. وأنه لا علاقة له بأوضاعهم الجاهلية من الاحتكام إلى القوانين الوضعية.

والآيات التي تصف المنافقين بالإعراض عن حكم الله ورسوله كثيرة.

أعذارهم الكاذبة:

قال الله تعالى في سورة النساء:

(( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به و يريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا(60) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (61) فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا (62 ) ))

قال ابن كثير: (أي: يعتذرون إليك، ويحلفون ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى عداك إلا الإحسان والتوفيق، أي المداراة و المصانعة، لا اعتقادا منا صحة تلك الحكومة) (تفسير ابن كثير) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت