الصفحة 45 من 59

وهذه أيضا من الثمار المشؤومة للشك في الدين. قال الله تعالى:

(( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين(45) الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون (46 ) ))

فالصلاة ثقيلة إلا على الذين يظنون (ويظنون في القرآن بمعنى يوقنون) بيوم آخِر يلاقون فيه ربهم فيجزيهم على صبرهم على تكاليف الصلاة جزاء حسنا.

أما المنافقون فإنهم يشكون في هذا اليوم الآخر أو لا يصدقون به، فثقلت عليهم الصلاة لذلك. ففيها تفريغ الأوقات واستيفاء الشروط والانقطاع للحظات عن الدنيا التي لا يؤمنون إلا بها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيها لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار ) ) (البخاري ومسلم) .

ولماذا صلاتا العشاء والفجر؟ لأنهم لا يراهم فيهما إلا الله تعالى! هم في غيرهما من الصلوات يدفعهم إلى المساجد تجنب الإحراج مع المؤمنين، كما أنهم مستيقظون في أوقات هذه الصلوات على كل حال. فلا بأس والحال كذلك أن يصلوا ... فإن كانت آخرةُُ وجنة ونار فلم"يخسروا شيئا"بصلواتهم هذه. أما العشاء والفجر، فوقتا عتمة، لا يراهم فيهما المؤمنون حضروا أم غابوا. ثم في هذين الوقتين لا بد من التضحية بالنوم. وساعة نوم أهم عند المنافق من جنة عرضها السماوات والأرض. فالجنة عنده"محتملة"وليست باليقين الذي يضحى من أجله! ولأن يعيش في أحلام سعيدة أحب إليه من يقوم ليعمل في سبيل غيب يشك فيه!

(( ولو يعلمون ما فيهما ) )لو كانوا يوقنون بالمعاد وحسن الجزاء ... لأتوهما ولو حبوا ... كما هو حالهم في شأن الدنيا ... يحبون خلفها على الأيدي والأرجل بل ويلهثون لأدنى عرض فيها.

قال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر:

(( والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء ) ) (البخاري) . فالمنافق لو علم أنه بإتيانه المسجد يكسب عظمة عليها قطعة لحم سمينة (عرقا سمينا) أو حتى ما بين ظلفي الشاة من اللحم (مرماة) لأتى العشاء! أما جنة عرضها السماوات والأرض فلا تفعل في نفسه مقدار ما تفعله قطعة لحم صغيرة!

وفي أيامنا هذه ... فكر ... ماذا يكون حال مسجد في حي مكتظ بالسكان تدخله عشاء وليس فيه إلا صفان أو ثلاثة ... ماذا يكون حاله لو أُعلن أن بعد الصلاة طبيخا أو أن مبلغا من المال سيوزع على الحاضرين؟ كم من الخلق يحضر؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت