الصفحة 55 من 59

فالمنافق يشترط أن يجلب الإسلام له منفعة دنيوية عاجلة ليرضى به دينا. كيف لا وحدود بصيرته تقف عند الحدود الدنيا للدنيا، والجزاء الأخروي ليس في حساباته لأنه يشك في الآخرة أصلا. قال تعالى واصفا المنافقين:

(( ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ) )

وكم قال موتوروهم للنبي صلى الله عليه وسلم: (اعدل فإنك لم تعدل) ! كم مرة جرحوا قلبه الكبير بهذه الكلمات الخسيسة التي ما قالوها إلا جشعا وشرها وتطلعا إلى ما ليس لهم بحق ... وهكذا المنافق، يرضى عن الدين بمقدار ما يتحقق له من متاع دنيوي، لأنه ما أسلم طمعا في رضوان الله وإنما أضمر في قلبه أن يتخذ الإسلام سُلَّما إلى متاع الدنيا.

-روى البخاري عن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله تعالى: (( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ) )قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال: (هذا دينٌ صالح) ، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: (هذا دينُ سوء) .

فالمتعوس اعتبر تحقُّق متاع الدنيا دلالة على صحة الإسلام، فإذا تعرض لابتلاء ضاع منه ما تأمل واعتبر ذلك دلالة على بطلان الإسلام!! فأي ضيق في الأفق ومحدودية في النظرة!!

وكم رأينا في واقع حياتنا من أناس يتسخطون على ربهم عند أدنى بلاء، وتسوء منهم بالله الظنون. فهؤلاء المدعو عليهم بالتعاسة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط. تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش ) ) (البخاري) .

فعبد الدرهم والدينار يتنقل بين المبادئ والمنهجيات بحثا عن المال. وقد لا ينسلخ من الإسلام صراحة بل يغير ويبدل بهواه و يزعم أن ما هو عليه موافق للإسلام ... يلهث وراء بريق الدرهم على يديه ورجليه كالكلب، فلعل الأشواك تدخل في يديه ورجليه في سعيه هذا ... وإذ ذاك فـ (لا انتقش) ... أي لا خرجت منه الشوكة كما دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي المقابل يدعو النبي صلى الله عليه وسلم في تتمة الحديث للمؤمن عبدِ الله، لا عبدِ الدنيا فيقول:

(( طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يُشَفَّع ) )

فقد بدت علامات التضحية في سبيل الله في شعث رأس هذا المؤمن وتغبُّر قدميه وإمساكه بعنان الفرس ليتوجه به حيثما سمع نداء الجهاد، لكنه مع ذلك لم ينل شيئا من الدنيا، ولا حتى الاحترام ... فهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت