الصفحة 56 من 59

إن استأذن أميره في الجهاد لم يأذن له، وإن جاء شفيعا لأحد رده أميره مخذولا ولم يلتفت إليه ولا لشفاعته ... سوءَ تصرف من هذا الأمير ... فلعله يأتي الأمير فيقول له: سمعت أن أحد أولادي مريض فأذن لي أن أغادر المعسكر للاطمئنان عليه ثم أعود، فيرفض الأمير ... ولعل جنديا يسيء فَيَهِمُّ الأمير بتعزيره فيطلب الجندي شفاعة صاحبنا المؤمن لأنه ظن أن تضحيات المؤمن جعلته وجيها عند الأمير، فيأتي صاحبنا ليشفع فإذا بالأمير يرفض شفاعته ويعزر الجندي ويكسر قلب المؤمن ...

فهل دفعه ذلك إلى أن ينقلب على عقبيه ويترك الجهاد والتضحية؟ لا بل على العكس، يمتثل الأوامر ... فإن أمره الأمير بأن يسهر والناس نيام للحراسة استجاب ووقف حارسا أمينا لجيش المسلمين ... وإن أمره الأمير أن يتأخر في ذيل الجيش (الساقة) يجمع المتاع الساقط من أفراد الجيش ويساعد من أبطأ لِعَطَبٍ فيه أو في ركوبته امتثل أمر الأمير، مع أن الأمير لم يكرمه في شيء ... وليس ذلك كله عن نقص عزة في نفسه ولكن لأنه لا يتعامل مع الأمير وإنما مع رب الأمير سبحانه وتعالى ... ولا يبتغي الأجر والإكرام من الأمير وإنما ابتغى وجه ربه الأعلى ... فلسوف يرضى ... فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا له بـ (طوبى) .

هكذا المؤمن، يقدم كل شيء، ويضحي بكل شيء، ولا يسخط إن لم يعجل الله له الجزاء في الدنيا وادخر له أجره كاملا ليوم القيامة ...

أما المنافق، فلا يريد أن يقدم شيئا إلا إذا كان المقابل الدنيوي مضمونا! قال تعالى:

(( سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم ) )

فهؤلاء تخلفوا عن عمرة الحديبية التي وعد الله من شهدها بمغانم خيبر. فلما علموا أن خيبر ستُفتح على المسلمين سارعوا يطالبون بالسماح لهم أن يشهدوا غزوة خيبر! لماذا؟ لأن فيها الغنيمة! أما في الحديبية فلم يك ثم غنيمة دنيوية موعودة فما حرصوا عليها.

فرد الله تعالى عليهم: (( يريدون أن يبدلوا كلام الله ) )فالله وعد مغانم خيبر لأهل الحديبية خاصة. ثم قال تعالى:

(( قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا ) )سيرمون المؤمنين بتهمة أنهم يمنعونهم من الخروج إلى خيبر استئثارا بالدنيا عنهم فرد الله تعالى بأن المخلفين: (( بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا ) )... ثم أعطاهم الله تعالى فرصة أخرى ليعدلوا نواياهم ويبرهنوا على استعدادهم للتضحية دون ضمان المقابل الدنيوي فقال:

(( قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا ) )قال الطبري في تأويل الأجر الحسن أنه الجنة. وكأن الله تعالى لم يضمن الغنيمة الدنيوية في هذه الفرصة للمخلفين كما ضمنها في خيبر للمؤمنين. فإن كان هؤلاء المخلفون يرضون بالجنة برهنوا على ذلك بطاعة الله في النفير إلى القوم أولي البأس الشديد. (( وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ) )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت