فهرس الكتاب
النص؛ فتجاور الأصوات في الفعل (كتب) حاصل بمقتضى التواضع والاصطلاح، وليس لمنشئ النص فضلٌ في تجاور أصواته؛ فذاك مما لا يقع عليه اختياره، ولا تنصرف إليه قدرته. وإنما تقع البلاغة على الاختيار والقصد. وهذا بعينه ما أشار إليه الجرجاني حين رأى أن نظم الحروف في الكلمات ليس"بمقتضًى عن معنى، ولا الناظم لها بمقتفٍ في ذلك رسمًا من العقل اقتضى أن يتحرى في نظمه لها ما تحراه. فلو أن واضع اللغة كان قد قال (ربض) مكان (ضرب) لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد". [1]
فإن قال قائل: إن منشئ النص قد يختار لفظًا دون آخر لمناسبةِ جرسِ أصواتِه للمعنى الذي يطلبه، مما لا يجده فيما سواه، أفلا يكون له إذن فضل الاختيار الصوتي؟
وهذا كلام فيه نظر أيضًا؛ ذلك أن اللفظ الجديد الذي استغنى به (المُنشئ) عن سواه؛ لِمَزِيَّة صوتية فيه إنما يحمل مزِيّته معه قبل أن يقع عليه الاختيار؛ فـ (النضخ) أقوى دلالة على تدفق الماء من (النضح) ، ولا يماري أحد في أن اختلاف الدلالة بينهما جاء من اختلاف صوتي الحاء والخاء، بسبب تماثل باقي الحروف. فلو أن (المُنشئ) استعمل الأول دون الآخر للدلالة على قوة جريان الماء فذاك لمعرفته بدلالته الكامنة على قوة التدفق، قبل أن يقع عليه اختياره، فليس له إذن فضل نظم أصواته، بل فضل اختيار اللفظ المناسب، في معناه و مبناه، للمقام الذي أراده منه.
وهناك وجه آخر لهذه المسألة، يحسُن على سبيل الاستئناس، وهو مناسبة اللفظ للمعنى؛ فمنشئ النص لا يصرف همه لاختيار الألفاظ ابتداءً، بل
(1) دلائل الإعجاز، ص 49.