فهرس الكتاب
يجعل وكده تبيين المعنى وجلائه، على النحو الذي يناسب سريرته ومبتغاه، ثم تنقاد إليه الألفاظ تبعًا للمعنى الذي يطلبه؛ ذلك أن"العلم بمواقع المعاني في النفس علمٌ بمواقع الألفاظ الدالّة عليها في النطق" [1] . فأي فضل إذن بقي للمنشئ يتعلق بترتيب الأصوات في اللفظة دون التركيب!؟
بقي للمنشئ من فضل نظم الأصوات في الكلمة _ دون التركيب _ ما يجريه عليها من تعديلات يقع عليها الاختيار وتتفاضل بها الأساليب، مما تسمح به قواعد اللغة وأعرافها، كزيادة في المبنى أو حذف، أو تغيير في البنية الصرفية؛ فانظر إلى كلمة (تثاقلتم) كيف اكتسبت معاني لم تكن لها حين تحوّلت في النص القرآني إلى (إثّاقلتم) في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض) [2] . فالوزن الصرفي للكلمة في السياق القرآني، والتشديد الواقع على حرف الثاء، والانتقال من صوت الهاء في لفظ الجلالة إلى الثاء المشددة التي يعقبها مد، كل ذلك كان من شأنه أن يعطي الكلمة أبعادًا دلالية في قوة الثقل والركون إلى الأرض لم تكن لها قبل أن يُجري عليها النص القرآني هذا التغيير. ولو أنك تأملت هذه الزيادة في المعنى من أين جاءت لرأيت أنها إنما حصلت من نظم الأصوات على هذا النحو المخصوص الذي أشرنا إليه. ففي مثل هذا المقام يكون الكلام على فضل المنشئ في نظم أصوات اللفظ واجبًا. ومثل ذلك كل تعديلٍ يقع على اللفظ ولا يكون من أصله.
_ والأصل في التفاضل في نظم الأصوات إنما يكون بالنظر إلى التركيب في العبارة والجملة والسياق؛ لأن التركيب هو مما يقع عليه الاختيار، فالمُنشِئ
(1) دلائل الإعجاز، ص 54.
(2) التوبة (38) .