الصفحة 16 من 31

من الجوف، من أقرب الأماكن إلى النفس وألصقها بالقلب [1] ، رخو لين، من حيث طبيعته الصوتية؛ وذلك تأنيسًا له صلى الله عليه وسلم وتلطُّفًا معه. وانظر تأكيد ذلك في معاملات الناس فإنك ترى الذي يحاول أن يطيِّب خاطر الخائف أو اليائس أو المهموم يُرقّق من صوته ويخفِّض من تنغيمه ونبره؛ ليُذهب التوتّر والبأس عن سامعه، ويُدخل الطمأنينة والهدوء إلى نفسه. وهذا شائع مشهور بين الناس، ولذلك حسُن في هذا الموضع _ بل لم يحسن سواه _ البدء بصوت فيه رحمةٌ ورقةٌ ولين. ولو أنك تأملت بدايات الآيات في السورة كلها، وهي إحدى عشرة آية، لوجدت حرف الواو يتكرر في بداية ثمانية منها، فكأنه يدٌ حانيةٌ تمتد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمسح على رأسه وصدره مرةً تلو مرة حتى يغمره الأمان، وتتعزّز في نفسه الراحة والطمأنينة. ولعل هذا هو نفسه ما يعلل السكينة والطمأنينة التي تعتري كل قارئٍ متدبّرٍ لهذه السورة، لأنه يَشعُر من ضمير المخاطَب فيها أنه هو المَعْنِيّ بالخطاب.

ثم انظر بعد ذلك إلى خاتمة السورة ستجدها قد انتهت بصوت (الثاء) ذي المخرج اللثوي الذي يشترك فيه طرف اللسان مع أطراف الثنايا. وهو مخرج بعيد عن باطن النفس قريب من الشفتين، منفتح عند النطق به على ما هو خارج المتكلم. فلو أنك نطقت به ساكنًا لأدركت كيف تبقى شفتاك منفرجتين، ويمر الهواء من بين لسانك وثناياك، ليُقذف إلى الخارج، خارج النفس. وكأنه يدل على شيء يخرج من النفس إلى ما سواها؛ فبعد أن غلبت السكينة على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم صار مستعدًا لِبَثّ ما في قلبه من طمأنينة خارج

(1) لابن قيّم الجوزية كلام حسن في العلاقة بين موضع مخرج الصوت من جهاز النطق وبين دلالته؛ فكلما اقترب المخرج من الجوف كان أدل على معاني تتعلق بالذات، وكلما ابتعد عنه كان أدل على معاني خارجها. فالقرب والبعد المكاني يؤدي إلى ما يوازيه في المعاني. يُنظر: بدائع الفوائد، ابن قيم الجوزية، تحقيق: هشام عبد العزيز عطا، وآخران، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، 1996 م، 1/ 176، 180.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت