الصفحة 17 من 31

النفس، لتَعُمّ المستمعين الذي يعون. وبيان ذلك قوله عز وجل (وأما بنعمة ربك فحدّث) . وما كان لصوت الثاء أن يسبق الواو في هذه السورة، وإلا نكون كمن يطلب من الخائف أن يبث الأمان في مَن حوله، وفاقد الشيء لا يعطيه!! فكان لابد أولًا من تمكين الطمأنينة من قلبه صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك يأتي الطلب ببثها لمن حوله.

ولا يكاد يختلف الحال مع الأصوات التي تنتهي بها فواصل السورة، فالآيات الثمانية الأولى انتهت بألف مد مفتوحة، وتسمى في باب الأصوات (حركة طويلة = فتحة طويلة) : (ضحى، سجى، قلى، أولى، ترضى، آوى، هدى، أغنى) ، تنتهي كلها بصوت الألف مشرعةً نحو المطلق من غير نهاية أو حاجز. وألف المد مثل الواو، كلاهما من مخرج جوفي واحد، قريب من القلب، قريب من العاطفة. ولا يكاد يختلف تعليل صوت الألف في هذا السياق عن سابقه الواو، فكلاهما يبث السكينة في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي صوت الألف زيادة ليست في الواو، ذلك أن انتهاء الكلمة بالألف مفتوحة من غير سكون لاحق يجعل مرادها مستمرًا من غير نهاية، فانظر إلى الفرق بين قوله تعالى: (ألم يجدك يتيمًا فآوى) وبين قوله _افتراضًا_ (ألم يجدك يتيمًا فآواكْ) ، فصوت الكاف الساكنة يبدو ثقيلًا في هذا التركيب الأسلوبي الذي بُني أساسًا ليراعي مقام اللِين والتلطُّف، كما أن إقفال الآية بالسكون كأنما دلّ على أن النعمة المقصودة مرتبطة بزمن محدد انتهى أوانه. هذا ناهيك عما يعتري المعنى من ظلال المِنّة بالنعمة بدلالتها السلبية، وهذا يتعارض مع مراد الآيات في هذا السياق اللطيف الحاني [1] .

(1) ولسنا نرى رأي الفراء الذي ذهب إلى أن حذف الكاف من فواصل الآيات جاء"لمشاكلة رؤوس الآيات". فهذا كلام لا نرى أنه يليق في حق القرآن الكريم؛ ذلك أنه ما من حذف أو ذكر يأتي في القرآن الكريم إلا لقصد وغاية يقتضيهما المعنى. ومراعاة الفاصلة ليس معنيًّا بذاته في القرآن الكريم على حساب المعنى. وإن طلبته الآيات فلِعِلَّةٍ تتعلق بالمعنى وبالفاصلة معًا. يُنظر: معاني القرآن، أبوزكريا يحيى بن زياد الفراء، تحقيق: عبد الفتاح إسماعيل شلبي، دار السرور، بيروت، د. ت: 3/ 274.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت