الصفحة 19 من 31

وتأمل كيف سيكون المعنى مغسولًا لو كانت الفواصل بغير الكاف: (ألم نشرح لك الصدر _ ووضعنا عنك الوزر _ الذي أنقض الظهر _ ورفعنا لك الذكر) . إنه كلام لا عاطفة فيه، وترشح منه حيادية سلبية أقرب ما تكون إلى معنى المِنّة. وفوق ذلك فإن المُخاطِب لا يبدو معنيًّا بالمُخاطَب، ولا تربطه به أيّ علاقة ذات قيمة. ومثل ذلك سيكون الحال لو افترضنا الكلام بغير (ال) التعريف الداخلة على الأسماء في الفواصل: (ألم نشرح لك صدرًا_ ووضعنا عنك وزرًا_ الذي أنقض ظهرًا _ورفعنا لك ذكرًا) ، بل إن هذا الاحتمال أبعد في دلالته السلبية؛ بسبب المعاني المنوطة بالتنكير، ناهيك عن ارتباط المِنّة بالمرّة الواحدة التي يوحي الكلام بأنها لا تتكرر. وليس شيء من هذه المعاني السلبية تجده في النص القرآني، ولو بحثت عن الذي جعل هذه المعاني بحكم المعدوم لوجدته يأتيك من ارتباط الكاف بالأسماء في فواصل الآيات.

ولو عدنا إلى سورة (الضحى) ، وتدبرنا باقي الأصوات التي انتهت بها فواصل الآيات فإننا سنقع على معاني أخرى مختلفة؛ ففي قوله تعالى {فأما اليتيم فلا تقهر _ وأما السائل فلا تنهر} [1] نلاحظ أن صوت الألف _ المشرعة إلى الفضاء _ الذي بقي ملازمًا لفواصل الآيات منذ بداية السورة قد توقف، وجاء بدلًا عنه صوت الراء الذي يتكرر في آيتين متلازمتين. والعلة من ذلك أن صوت الراء يقوم هنا بما لا تقوم به الألف؛ لأن مراد النص من الآيتين اختلف عن مراده من سابقاتها؛ فما سبق كان في مُجمله تَطْيِيبٌ لخاطر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتَطمينٌ لقلبه؛ مما اقتضى الصوت اللين للألف المشرعة، كما قد أشرنا، أما هاتان الآيتان، ففيهما ينتقل مُتَعَلَّقُ الاطمئنان من قلب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قلب اليتيم والسائل، ويتحول الرسول صلى الله عليه

(1) الضحى (9 - 10)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت