فهرس الكتاب
وسلم من محتاجٍ إلى الطمأنينة إلى باثٍّ لها، فكأنّ النص يقول لرسول الله: كما أدخلنا الطمأنينة إلى قلبك يا محمد، وخصصناك بها، جاء دورك لتبث الطمأنينة في قلوب محتاجيها؛ كالسائل واليتيم.
وقد بُني تركيب الآيتين على أسلوب النهي الدال في السياق العام للآيات على ما يشبه الأمر، مع تقديم المفعول على فاعله، وهو أسلوب قويّ في دلالته [1] . فمن أجل القوة في الطلب جاء السكون على الراء في آخر الفعل المضارع المجزوم؛ لتأكيد التشديد والحرص، مشاكلةً لمعظم أفعال الأمر التي تُبنى على السكون من أجل الحزم الكائن في أسلوب الأمر. والراء صوت ذلقي يخرج من طرف اللسان، أقرب ما يكون إلى ظهره، ما بين رأسه وما يحاذيه من اللثة [2] . ومن أهم صفاته الدالة أنه مجهور، وهي صفة يشترك فيها مع سواه، بيد أنَّ له صفةً لا يشاركه فيها أي من الأصوات، وهي (التكرار) ، وقد يسمى (التكرير) ، وهي صفةٌ يُقصد بها أن الصوت يتكوَّن من تكرار ضربات اللسان على اللثة تكرارًا سريعًا [3] . ولك أن تدرك ذلك إذا جرّبت أن تلفظ صوت الراء ساكنًا فإنك تجد أن لسانك لا يكاد يقف، كأنك تلفظ الحرف مرات متتالية متكررة، فإذا تأملت بعد ذلك مراد الآيتين لوجدت أن الطلب وقع على عدم قهر اليتيم وعدم نهر السائل، وذلك ليس لمرّة واحدة، بل على أن يكون ذلك سبيلًا ونهجًا دائمًا متكررًا، فحيثما حضر اليتيم اقتضى الرأفة، وحيثما حضر السائل اقتضى التلطّف، على نحو متكرر بتكرار حضورهما. فهل أدل على معنى التكرار في الطلب من صوت الراء التكراري الذي جعلته الآيتان ختامًا لها
(1) مما يدل على قوة تركيب الجملة البدء بالفاء التي غيّرت مجرى الكلام، وتقديم المعمول على عامله خروجًا على مشهور القاعدة، ودخول (لا) الناهية على الفعل المضارع.
(2) ينظر: مدخل إلى فقه اللغة العربية، أحمد قدور، دار الفكر، دمشق، 1999 م، 187.
(3) يُنظر: المصطلح الصوتي في الدراسات العربية، عبد العزيز الصيغ، دار الفكر المعاصر_دار الفكر، بيروت_دمشق،2000 م، ص 183.