فهرس الكتاب
على حين تبدو السورة مَقودةً بصوت القرع منذ أول كلمة فيها (القارعة) ، والمشهد كله شديدٌ في صوره ومعانيه: (الجبال تتفتت كالقطن، والناس تتبعثر في الفضاء كالفراش) ، وشديدٌ في أصواته أيضًا: (قرع في أوله، وقرع آخر من ثقل كفة الذنوب في الميزان) ، وقد أثَّرت القاف، وهي من حروف القلقلة، في نقل هذا الصوت وتصويره على نحو ملموس محسوس، ولاسيما حين تكررت في بداية السورة، يتلوها مد صاعد بالألف، يعقبه عين ... (القارعة) ، وكذلك حين جاءت مضمومة في صيغةِ البناء للمجهول (ثَقُلَت موازينُه) . وأيّ محاولةٍ لإعطاء تفسيرٍ من جهة المعنى لسيطرةِ الأصوات الثلاثة (الميم والنون واللام) سيكون مشوبًا بقدر كبير من التكلف، والتعسف.
على أن ذلك لا يعني انتفاء أيّة دلالة لسيطرة الأحرف الثلاثة في السورة، ولكنها دلالة لا تتعلق بالمعنى، بل تتعلق بوظيفة أخرى من وظائف الصوت، تعمّ القرآن الكريم كله؛ فلقد أشار عدد من الدارسين إلى أن أكثر الأصوات شيوعًا في القرآن الكريم هي (النون، والميم، واللام) ، وهي أصوات ذلقية، كما أن أكثر الأصوات شيوعًا في فواصل القرآن الكريم هي: (النون 3152 مرة، ثم تليها الميم 742 مرة، ثم الراء 710 مرة، وبعدها باقي الأصوات بفارق كبير يصل إلى 400 مرة؛ فأقرب صوت بعد الراء هو الدال 308 مرة) [1] . والنون والميم والراء أصوات ذلقية أيضًا!! فلو اختار باحث مقطعًا من القرآن الكريم وخرج _ بنتيجة الإحصاء _ إلى أن الصوت الذي يتردد بكثرة في النص هو الميم أو اللام أو النون، أو كلها مجتمعة، وراح يتكلف العلل والمسوغات عن علاقتها بموضوع المقطع، من غير أن يأخذ بعين التقدير العلة التي شاعت من أجلها هذه الأصوات في القرآن الكريم، وفي كلام العرب عامة، فإنه
(1) ينظر: الفاصلة في القرآن: 296.