فهرس الكتاب
وهذا التكرار، كما هو واضح، تكرارٌ مُنظَّم محسوب، ويتبع قاعدةً محددة، ولذلك فإنه يترك في النفس أثرًا إيقاعيًا واضحًا، مردّه إلى لذّة سماع الصوت أكثر من مرة على نحو مُنظّم، وتِبَعًا لفواصل عددية محدَّدة، تُشكِّل توافقًا على نحو ما [1] ، بحيث يظهر أن هناك سلسلة من البنى الصوتية"تعود مرات متساوية، وفي أزمنة متساوية ... فإذا سمعتها الأذن شعرت [باللذة] [2] ... فهي بعد كل انسجام تنتظر الانسجام الذي يليه ... وهذا الترجيع لا يخلو في ذاته من فتنة" [3] . ونظام الترجيع المنظّم يتضح لك إذا نظرت في كيفية تكرار البنية الصوتية (القارعة) في الآيات؛ ففي الآية الأولى هناك بنية واحدة هي (القارعة) ، وفي الآية الثانية هناك بنيتان، تأتي في آخرهما (القارعة) ، وفي الآية الثالثة ثلاث بُنى، تأتي في آخرها، أيضًا، (القارعة) ، فكل آية تزيد على سابقتها ببنية، وتنتهي بـ (القارعة) ؛ فالنص بدأ بواحدة، ثم جعلها اثنتين، ثم ثلاث. أي أنه تدرّج رويدًا رويدًا، من الواحد حتى الثلاثة؛ أي من الأقل صعودًا نحو الأكثر.
أما العلة التي من أجلها كرّر النص البنيةَ الصوتية (القارعة) فتتعلق بمعنى (القارعة) ، والمراد بها في هذا السياق القرآني يومُ القيامة، وسُمّيت قارعةً لأنها تقرع الآذان بصوتها القوي الذي يُذهل النفوس. ولا يكون الصوت قرعًا إلا إذا كان شديدًا ومتكررًا. فلأجل الشدة والتهويل جاء تكرار اللفظ، فذاك قمين بالدلالة على (التفخيم والتعظيم والتهويل) _ هذا ناهيك عن صوت القاف مع
(1) ينظر: مسائل فلسفة الفن المعاصرة، جان ماري جويو، ترجمة: سامي الدروبي، دار اليقظة العربية، بيروت، 1965 م، ص 177.
(2) وردت في النص الأصلي (الطرب) لأن الكاتب يتكلم على تلقي الشعر، وغيرناها لمناسبة القرآن الكريم.
(3) مسائل فلسفة الفن المعاصرة، ص 177 - 178.