الصفحة 27 من 31

الراء والعين _ ولأجل تكرار القرع جاء ترجيع صوت القارعة ثلاث مرات. فكمل للنص مراده من هذا الوجه [1] .

ثم عاد النص القرآني، في آخر آيتين من السورة، فذكرنا بالنظام الذي ورد في الآيات الثلاث الأولى؛ وذلك من خلال قرينة التماثل _شبه الكامل_ بين الآية ما قبل الأخيرة"وما أدراك ما هي"والآية الثالثة"وما أدراك ما القارعة"، ولكنه استثمر النظام هاهنا على نحو معكوس؛ بحيث أصبح التدرّج من الأكثر نحو الأقل"وما أدراك ما هي _ نار حامية" [2] ، فتوقَّع المتلقي أن يستمر النظام المعكوس؛ بحيث تكون الكلمة الأخيرة المتوقعة هي (القارعة) ، قياسًا على الآيات الثلاث الأُول في مبتدأ السورة، ولكن النص لم يترك النظام يستمر، فبدا كأنه يريد أن يشير دون أن يصرح، ويومئ دون أن يقول. ولذلك لا يبدو غريبًا أن يستحضر المتلقي في نفسه _على نحو لا شعوري وانسجامًا مع النظام _ كلمة (القارعة) ، لأنه افترض أن النص سيكون:"وما أدراك ما هي _ نار حامية _ القارعة"، فيكون النص عندئذ كالبنية الدائرية المغلقة:

وهذه البنية المغلقة إنما تجسد الدلالة العامة لسورة القارعة، تلك الدلالة التي تشير، من جهة، إلى حتمية وقوع القارعة، بحيث تبدو كالدائرة المغلقة التي لا فرار منها، كما تشير، من جهة أخرى، إلى صوت القارعة المتكرر الشديد الذي يحيط بالناس إحاطة الدائرة بالمعصم.

(1) هناك آليات أخرى تقوي النظر في دلالة التكرار، ولكنها آليات غير صوتية، مثل السؤال الذي جاء في الآية الثانية، والتشويق الذي أعقبه في الآية الثالثة. ومثل ذلك التنويع بين الأسلوب الخبري والأسلوب الإنشائي.

(2) القارعة (10 - 11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت