فهرس الكتاب
وبالعودة إلى المثال المتعلّق بمجيء الكاف الساكنة في فواصل آيات سورة (الشرح) _ يمكن أن نلحظ الإيقاع المتوالي الذي يظهر من ترداد صوت الكاف، قبل مجيئه في حرف الفاصلة بأربع أصوات، على نحو متكرر في كل آية من الآيات المقصودة:
[ألم نشرح لك _ _ _ ك] [ووضعنا عنك _ _ _ ك] [ورفعنا لك _ _ _ ك]
فكأن الكاف الأولى تأتي مُمَهّدةً لأختها في الفاصلة، فيكون وقعها ألطف في النفس وأوقع في الأذن؛ بسبب المهاد، فمن شأن النفس أن ترتاح للنغم المكرر؛ لِعلَّةٍ تتعلق بالتكرار المنظّم للصوت، وما يثيره في النفس من ارتياح تطريبي، وأخرى تتعلّق بتوافق تكرار النظام الصوتي مع التوقّع اللاشعوري للمتلقي،"فتتابع المقاطع على نحو خاص، سواء كانت هذه المقاطع أصواتًا، أو صورًا للحركات الكلامية، يهيّئ الذهن لتقبّل تتابع جديد، من هذا النمط دون غيره" [1] ، فيتطابق التوقّع الذهني مع الصورة الصوتية المتحققة للبنية المكررة، (وهذه وظيفة إيقاعية بحتة) . ثم إن تكرار صوت الكاف على نهج واحد، بحيث يفصل بين جرس صوتها الأول والثاني ثلاثة أصوات أخرى مختلفة هو نظام تكراري إيقاعي يأخذ شكل متوالية محددة. وأهم ما في دلالات المتوالية الإيقاعية أنها تترك انطباعًا في النفس على أنها مستمرة غير منقطعة، فيكون المعنى من الآيات أن هذه النعم التي أنعمت بها عليك يا محمد هي من قبيل النعم المستمرة التي لا نهاية لها (وهذه وظيفة ذات صلة بالمعنى العام للبنية) .
(1) مبادئ النقد الأدبي، ص 185.