الصفحة 11 من 32

يمكننا القول بأن هذه الحرف كانت متوافرة بدرجات متفاوتة في مجتمع المدينة في تلك الفترة نظرًا لتوافر الناس بها.

إلا أن الحاجة لاتزال أكبر من الإمكانات المتاحة، إذ لم تكن تلك الإمكانات بالقدر الكافي لسد حاجة المسلمين، أو النهوض باقتصادهم بشكل ملحوظ.

ففي غزوة الخندق نفسها تظهر هذه الحاجة بشكل واضح، فقد كان المسلمون يعملون في حفر الخندق استعدادًا للمعركة وهم يشدون الحجارة على بطونهم من الجوع بما في ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [1] ، (( فقد أصاب المدينة في ذلك العام مجاعة مع برد قارس، وكان طعام الجيش قليلًا من الشعير يخلط بدهن قديم قد تغيرت رائحته، يطبخ فيأكلونه رغم طعمه الكريه ورائحته المنتنة لفرط الجوع، وأحيانًا لايجدون سوى التمر، وقد يلبثون ثلاثة أيام لايذوقون طعامًا، ولكن حرارة الإيمان طغت على آثار البرد والجوع القارصين، فكانوا يعملون بقوة ويحملون التراب على أكتافهم، وقد استووا جميعًا في الحفر وحمل الأتربة، وهم في غاية الحماس يرددون الأهازيج والأراجيز، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يحفر معهم وينقل التراب حتى اغبر بطنه ووارى التراب جلده - صلى الله عليه وسلم -، وكان الصحابة يلجؤون إليه إذا عرضت لهم الصخرة الكبيرة فيأخذ المعول ويفتت الصخرة ) ) [2] .

وقد (لاحظ الصحابي جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - ماأصاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الجوع الشديد أثناء حفر الخندق فطلب من زوجته أن تصنع له طعامًا، فصنعت شيئًا لايكفي إلاّ لنفر قليل، وذهب جابر فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى

(1) الحياة الاقتصادية، أكرم العمري 73.

(2) المجتمع المدني (الجهاد ... ) ، أكرم العمري 113 بتصرف. وانظر: صحيح البخاري 7/ 456 (4101) وانظر معه الفتح 7/ 458، 459.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت