وعلى كل حال فقد وضع الأنصار كل إمكانياتهم في خدمة المهاجرين [1] وتبرعوا ببعض مالديهم من أراضٍ فقسمها النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين مع أراضٍ أخرى فضاء ليست مملوكة لأحد [2] ، وحثهم على بنائها والسكن فيها [3] .
ومن تلك الإجراءت أيضًا تشريع نظام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في العام الثاني الهجري [4] الذي أصبح بموجبه لزامًا على الأخ أن ينصر أخاه ويؤازره ويعينه لزومًا شرعيًا لامنّة فيه، بل ويرث الأخ أخاه دون ذوي رحمه، إلا أن التوارث أبطل فيما بعد لما زالت الأسباب الداعية إليه وعاد إلى وضعه الأول بين ذوي الأرحام فقط، لكن المؤازرة والإعانة والنصرة بقيت على حالها، وهي باقية بين سائر المؤمنين إلى يوم القيامة [5] ، ومن الصور العملية على هذه النصرة والمؤازرة التي تمت بين المهاجرين والأنصار ما وقع بين سعد بن عبادة الأنصاري وعبد الرحمن بن عوف المهاجري، حيث كان الاثنان أخوين بموجب نظام المؤاخاة، فعرض سعد على عبد الرحمن شطر ماله وأن ينظر إلى أحب زوجتيه إليه ليطلقها فيتزوجها إذا حلّت، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، وطلب أن يدله على السوق [6] .
ولعل من التدابير الأخرى التي اتخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسهمت في عدم تفاقم
(1) المجتمع المدني (خصائصه ... ) ، أكرم العمري 89.
(2) أنساب الأشراف (بتحقيق محمد حميد الله) ، البلاذري 270. والمجتمع الإسلامي، أكرم العمري 14.
(3) مجتمع المدينة، عبد الله بن إدريس 105.
(4) السيرة النبوية، ابن هشام 1/ 501. والمجتمع المدني (خصائصه ... ) ، أكرم العمري 112.
(5) المجتمع المدني (خصائصه ... ) ، أكرم العمري 71 - 80.
(6) صحيح البخاري 7/ 317 (3937) .