تركز تلك الدراسات على الأحداث والوقائع السياسية والعسكرية بالدرجة الأولى، ومن جهة أخرى فإن هذه الموضوعات في تلك الدراسات تكون متداخلة بعضها في بعض، ويحتاج استظهارها من بين سطور تلك الوقائع والأحداث إلى قراءة متأنية، وعناية فائقة، وملاحظة دقيقة، مما يتطلب جهدًا أكبر، ووقتًا أطول، ومع ذلك فإننا نجد أنفسنا أمام إشكالية لابد منها وهي تكرار بعض الأمثلة والشواهد التأريخية في مواضع مختلفة من البحث.
ساءت أحوال المدينة الاقتصادية منذ اللحظات الأولى لانتقال المهاجرين من مكة إلى المدينة [1] ، فمعظم المهاجرين تركوا أموالهم بمكة في ظل ظروف معينة أجبرتهم على ذلك ليس هذا مقام الخوض في تفاصيلها، وزاد الأمر سوءًا أن مهارتهم كانت في التجارة التي تمرست بها قريش ولم تكن في الزراعة والصناعة اللتين تشكلان أساسين مهمين في اقتصاديات المدينة [2] .
أما الأنصار فقد تحملوا بموجب تعاليم الإسلام وما فرضه عليهم من أخوةٍ وتعاون أعباء استضافة إخوانهم من المهاجرين، فآثروهم على أنفسهم وأشركوهم في المهنأ وكفوهم العمل [3] ، مع أن حالهم لم تكن بأحسن
(1) (1) الحياة الاقتصادية في صدر الإسلام، محمد بطاينة 10، دار الفرقان، عمان - الأردن، 1407 هـ - 1987 م. والمدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى، محمد السيد الوكيل 139. والسيرة النبوية، الندوي 186، 187.
(2) المجتمع المدني (خصائصه ) ، أكرم العمري 73، 89. والحياة الاقتصادية والاجتماعية في عصر النبوة، أكرم العمري 31.
(3) آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - أول مقدمه المدينة بين المهاجرين والأنصار مؤاخاة خاصة علاوة على أخوة الإسلام العامة، وممارتبه تعالى على هذه المؤاخاة من الأحكام إضافة إلى التعاون والترافد والتآزر أن يرث الأخ أخاه دون ذوي رحمه، ثم ألغي العمل بهذا الحكم فيما بعد، وأعيد التوارث بين ذوي الأرحام إلى وضعه الأول، وذلك حين تغيرت الظروف، وأخذت أحوال المهاجرين في التحسن، وقد ضَرب الأنصار أروع الأمثلة في التضحية والإيثار، منها أنه لما آخى - صلى الله عليه وسلم - بين سعد بن الربيع (الأنصاري) وعبد الرحمن بن عوف (المهاجري) قال سعد: إن لي مالًا فهو بيني وبينك شطران، ولي امرأتان فانظر أيهما أحب إليك فأنا أطلقها فإذا حلت فتزوجها. فقال له عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق .. وقد سطر القرآن الكريم موقف الأنصار في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الحشر (9) . وانظر فيما تقدم: المجتمع المدني (خصائصه .... ) ،أكرم العمري 73 - 80.