ففتحت المدينة أبوابها وخرج شيخ الحرم والقضاة والأعيان لاستقبال قادة السعوديين وعلى رأسهم مسعود بن مضيان، وكان لقاء السلم والمصالحة، وصلى الجميع في المسجد النبوي، وهدمت بعد ذلك القباب وعين مسعود بن مضيان أميرا على المدينة، وأَقَرَّ جميع الموظفين في وظائفهم إلا من شاء أن يترك، وأظهر - كما قدمنا- احترامًا كبيرًا لشيخ الحرم، الذي طلب أن يغادر عائدًا إلى استانبول، فسمح له بالخروج ومعه جميع حاشيته وأمواله والهدايا التي كانت ترد إليه من جهات كثيرة، وقام أغوات الحرم باختيار واحد منهم ليكون رئيسا لهم ولم يعترض السعوديون على ذلك، وظل هؤلاء يمارسون أعمالهم في المسجد النبوي، ولكنهم فقدوا نفوذهم الذي كانوا يمارسونه من قبل في الإدارات المدنية [1] .
وأما حسن قلعي فقد كان نموذجًا صارخًا لسياسة (الميكافيلية) ويمكن أن نسميها: الوصولية، فقد تحول من قائد يستعد لقتال السعوديين إلى مناصر قوي لدعوتهم كما يبين بيركهارت (وبما أنه بات الآن عاجزًا عن التصرف بالظلم نفسه كالسابق فقد أظهر حماسة شديدة للدين الجديد، [كذا] وقمع السكان بأن فرض عليهم بصرامة شديدة الدقة تعاليم العقيدة الوهابية وشعائرها) [2] .
وقد كانت سياسة السعوديين بعد دخولهم المدينة إبقاء قادة الفرق العسكرية المحلية في مناصبهم ما داموا قد بايعوهم، وبعد إزالة القباب من على القبور والتي نتوقع أن يكون حسن قلعي شارك فيها بحماسة ليظهر إخلاصه للسعوديين انسحب معظم أتباع الدولة السعودية إلى أطراف
(1) انظر: التاريخ الشامل 2/ 430 - 436.
(2) انظر: الرحلة 327.