الصفحة 29 من 49

وثمة قضية يشير إليها بيركهارت وكانت واحدة من المطاعن على جيش محمد علي وإدارته هي استعانته بغير المسلمين [1] واعتماده عليهم ليس في المهمات العسكرية وحسب بل في الإدارة، فيذكر بيركهارت أن طوسون باشا أوكل إدارة المدينة عندما سافر إلى مصر إلى رجل اسكتلندي يدعى توماس كيت أو إبراهيم آغا الذي كان أمين صندوقه [2] .

تحدث بيركهارت عن الحياة الاقتصادية في المدينة المنورة في فصل كبير بعنوان (وصف المدينة) ، حيث وصف بنيتها العمرانية وشوارعها وأسوارها وأحواشها، ثم عرج على مواردها الاقتصادية ومزارعها والنشاط التجاري والصناعي والموارد (الدينية) التي تتدفق من مخصصات المسجد النبوي والصرة وعوائد الأوقاف، كما أنه سجل ملاحظات عن جوانب اقتصادية أثناء حديثه عن العمران والسكان والمسجد النبوي والحكومة، وكان دقيقًا في ملاحظاته، وبارعًا في استنتاجاته، ومنهجيًا في تقويمه، ولاذعًا في نقده.

والحق أنه من النادر جدًا أن يجد المرء في كتابات الرحالة دراسة تفصيلية معمقة على هذا النحو، ولقد شعرت وأنا أتابع وصفه وتحليلاته واستنتاجاته أنني أمام باحث منهجي يكتب دراسة أنفق في البحث عن

(1) يقول المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي عن جيش محمد علي نقلًا عن بعض قادته: (وأكثر عساكرنا على غير الملة، وفيهم من لا يتدين بدين ولا ينتحل مذهبًا، وصَحبتْنا صناديقُ المسكرات، ولا يُسمع في عرضينا أذان ولا تقام به فريضة، ولا يخطر في بالهم ولا خاطرهم شعائر الدين) .

تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار 3/ 341، دار الجيل، بيروت،

(2) انظر: السابق 329.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت