التي تملأ هذه السوق ترسل من مكة بقافلة ضخمة من الجمال التي كانت تنطلق مباشرة بعد التجار، وكانت تدعى ركوب المدينة، وكانت تبقى نحو عشرين يومًا في المدينة ثم تعود إلى مكة) [1] .
والمدهش ألا يذكر بيركهارت شيئًا عن هذه السوق في وصفه للمدينة ولا في حديثه في اقتصادياتها، وربما يكون إغفاله الحديث عن الأسواق هو السبب الذي أضاع علينا فرصة التعرف إلى هذه السوق الموسمية الكبيرة، إضافة إلى أن وجود بيركهارت في المدينة لم يكن في الوقت الذي تعقد فيه هذه السوق.
ولعل من أهمّ ما ورد في كتابة بيركهارت عن التجارة في المدينة تقويمه الصائب لمشكلاتها الحقيقية وأهمها: سوء التنظيم، وغياب السلطة عن مراقبتها، وعدم تدخلها لحل الأزمات التي يسببها جشع بعض التجار واحتكارهم للسلع الغذائية، وتلاعبهم بالأسعار فعندما يتأخر وصول القوافل لأسباب أمنية أو غيرها من الأسباب، ويضطر التجار الصغار لبيع ما عندهم يحتكر التجار الكبار السلع في مخازنهم ويرفعون أسعارها أضعافًا مضاعفة [2] ، ولا يحاسبهم أحد على ذلك، بل إن الأسعار تختلف أحيانًا من مكان لآخر داخل المدينة، والمحتسب الذي يفترض به أن يراقب الأسواق ويتدخل عند اللزوم لا يملك السلطة التي تمكّنه من التدخل [3] .
وباستثناء الحالة التي تدخل فيها محمد علي باشا بنفسه ليصلح خطأ ابنه طوسون باشا عندما أرعب البدو بمصادرة بعض جمالهم فهربوا إلى البادية، وتعطلت قوافل التجارة، وشحت السلع في الأسواق، وتضاعفت
(1) انظر: الرحلة 169.
(2) انظر: الرحلة 313.
(3) انظر: الرحلة 314.