الصفحة 40 من 49

عمال يتم إرسالهم من القاهرة أو حتى من القسطنطينية كما كانت الحال خلال إقامتي، حين كان بنّاء مُعلِّم مشتغلًا في إصلاح سقف البناء، وتزود مصر المدينة بحاجاتها كلها نزولًا إلى أتفه الأغراض والسلع، وحين كنت هنا لم تكن تُصنع حتى جرار المياه الفخارية، منذ بضع سنوات أسس أحد أبناء دمشق صناعة لهذه السلعة الضرورية جدًا، ولكنه غادر المدينة فبات السكان مرغمين على الشرب من الجرار نصف المكسورة المتبقية، أو على استيراد غيرها من مكة بكلفة عالية، وليس هناك صبّاغ أو صناعات صوفية، ولا نسيج على النول أو دباغة، ولا أعمال جلدية أو حديدية من أي نوع، وحتى المسامير وحوافر الأحصنة كانت تأتي من مصر وينبع) [1] .

لا شك أن هذه الصورة مقلقة لمدينة يقدر بيركهارت عدد سكانها ما بين ستة عشر إلى عشرين ألف نسمة [2] ، ولئن كانت القوافل التجارية قادرة على تأمين احتياجاتهم من الأدوات المنزلية وغيرها من المصنوعات الخفيفة فليس من الممكن أن توفر لهم الخدمات التي يقوم بها الحرفيون، كإصلاح الأبواب والنوافذ والأَسرَّة وغيرها من الأعمال التي تحتاج إلى نجارين وحدادين وبنائين وغير ذلك من الحرف وما يتبعها من منتجات الورش الصغيرة، ومن غير الطبيعي الاعتماد على حرفيين عابرين، يأتون في موسم الحج ويقيمون بعده إلى أن يجمعوا نفقات عودتهم ويتركون وراءهم فراغًا طويلًا إلى الموسم التالي، ومع ذلك يؤكد بيركهارت أن (الصناعيين الوحيدين الذين نجدهم في المدينة هم الحجاج الفقراء المعدمون، خاصة أولئك القادمين من سورية وهم كثر، يسعون عبر العمل الجاهد خلال

(1) انظر: الرحلة 316.

(2) انظر: الرحلة 331.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت