الصفحة 47 من 49

من مصر والشام، وجاءت القوافل النجدية، ولكنّها لم تعوض عن القوافل الشامية والمصرية في الإنفاق.

ولما نشبت الحرب ثانية بين السعوديين وجيش محمد علي ظلت مواسم الزيارة مجدبة، ورغم عودة المحمل والقوافل الشامية والمصرية بعد استيلاء جيش محمد علي باشا على المدينة، فإن عدد الحجاج لم يعد إلى ما كان عليه، الأمر الذي أضعف واردات أصحاب البيوت فأهملوا صيانة بيوتهم، وبدت ملامح الكآبة عليها، وقد أشاد بيركهارت ببناء المدينة وعدها إحدى المدن الفضلى في الشرق، تأتي بعد حلب، ولكن تغير حالها بسبب الأحداث التي مرت عليها خلال السنوات الأخيرة، وأصبح لها (مظهر كئيب، فالمنازل تتآكل شيئًا فشيئًا، والمالكون الذين يجنون أرباحًا طائلة من حشود الزائرين القادمين على مدار السنة قد تقلص دخلهم فقاموا بالتالي بتخفيض مصاريف البناء الكبيرة؛ لأنهم يعلمون أنهم لن يتمكنوا من استرجاعها عبر تأجير الشقق، وتظهر المنازل المهدمة والجدران المتداعية في كل جزء من المدينة) [1] .

وهكذا تتجمع تفصيلات الحياة الاقتصادية في المدينة المنورة في رحلة بيركهارت لترسم لنا صورة دقيقة لأنشطة محدودة تجري في مجتمع زراعي بسيط، تدعمه القداسة التي وهبها الله لمدينته، وجعلها مقصد الآلاف من المسلمين من أنحاء الأرض، ولكن هاتين الصفتين [الزراعية والقداسة] لم تخرجا بالاقتصاد إلى درجة النشاط المتميز، ولم تدفعا أهله إلى إنتاج متطور، وعلى العكس من ذلك اجتمعت فيه صفتان طفوليتان: البساطة والاتكال على الآخر، بساطة في الإنتاج الزراعي إلى درجة تعجز عن تأمين

(1) انظر: الرحلة 270.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت