الصفحة 29 من 60

إحداهما: حُجِبتْ بها عن محاسن هذه الطائفة، ولُطف نفوسهم، وصدقٍ معاملاتهم، فأهدروها لأجل هذه الشطحات، وأنكروها غاية الإنكار، وأساءوا الظن بهم مطلقًا، وهذا عدوان وإسراف، فلو كان كل من أخطأ أو غلط، تُرك جملةً، وأُهدرت محاسنه؛ لفسدت العلوم والصناعات والحكم، وتعطلت معالمها ..."ثم ذكر -رحمه الله- الطائفة المضادة لما سبق، وسماهم معتدين معرضين، ثم قال:"

والطائفة الثالثة: (وهم أهل العدل والإنصاف، والذين أعطوا كل ذي حق حقه، وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته، فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول، ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح، بل قبلوا ما يُقبل، وردوا ما يُرد) .اهـ

قلت: فما الفرق بين هذا، وبين قولي في السني: ( ... ولا نهدمه) ؟! مع أن كلام ابن القيم -رحمه الله- يشمل السني، ومن عنده بعض الشطحات، فلا تُهدر علومه الأخرى لشطحاته -على تفاصيل في ذلك معروفة في غير هذا المحل-.

(ب) -وقال -أيضًا- في"مدارج السالكين" (1/ 198) في سياق ذِكر ما أُخذ على أبي إسماعيل الهروي -رحمه الله- فقال: (ولا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه، وإساءة الظن به، فمحله من العلم والإمامة والمعرفة، والتقدم في طريق السلوك؛ المحل الذي لا يُجهل، وكل أحد فمأخوذ من قوله ومتروك، إلا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، والكامل من عُدَّ خطؤه، ولا سميا في مثل هذا المجال الضنك، والمعترك الصعب، الذي زلت فيه أقدام، وضلت فيه أفهام، وافترقت بالسالكين فيه الطرقات، وأشرفوا -إلا أقلهم- على أودية المهلكات، وكيف لا؛ وهو البحر الذي تجري سفينة راكبه في موج كالجبال، والمعترك الذي تضاءلت لشهوده شجاعة الأبطال، وتحيرت فيه عقول ألبّاء الرجال، ووصلت الخليقة إلى ساحله يبغون ركوبه ... ) .الخ ما قال -رحمه الله- من كلام نفيس، فارجع إليه -إن شئت-.

(ج) -وقال في"إعلام الموقعين" (3/ 283) : (الثاني: معرفة فضل أئمة الإسلام، ومقاديرهم، وحقوقهم، ومراتبهم، وأن فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ورسوله؛ لا يوجب قبول كل ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفى عليهم فيها ما جاء به الرسول، فقالوا بمبلغ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت