فهرس الكتاب
وانتصروا لله لا لأنفسهم، فلذلك بارك الله عز وجل في علومهم، وحُفظت كلماتهم في المخالفين، بل وإشاراتهم، واجتهد الأئمة بعدهم في الجمع بين كلامهم -لانضباطه- وهذا كله بخلاف ما نراه ونسمعه من كثير من أساتذة وخريجي هذه المجزرة العصرية، الذين إذا سئل الواحد منهم عن شخص؛ تتزاحم الكلمات في ذهنه بصيغة (أفعل) فيتردد في إصدار هذه أو تلك -لا للتأني والورع- ولكن للنظر في أي مادة تدل على الجرح، وتكون أشد من أختها في ذلك، ككلمة (أخبث) أو (أكذب) أو (أضر) أو (أسقط) ودعْ عنك قولهم (ماكر، ومخادع، وكذاب، ودسيسة، وملبس ... ) ، إلى غير ذلك من مخزونات هذا الكيس، الذي لم ينفد حتى الآن، عجّل الله بفضّه ونثره وكشفه، فما فيه إلا حية أو عقرب، أو غير ذلك مما يقتل في الحل والحرم!!.
ولذلك، فلما رأى الأئمة المتقدمون والمتأخرون من انتحل الحديث، وهو ليس له بأهل؛ أنكروا عليهم، فقد قال الذهبي محذرًا بعض محدثي زمانه:
فدع عنك الكتابة لست منها .. ولو سوّدت وجهك بالمداد
وقال أيضًا:
وللحروب رجال يُعْرفون بها .. وللدواوين كُتّابٌ وحُسّابُ
وانظر كلام الذهبي في"النبلاء" (17/ 41) ، وفي"تذكرة الحفاظ" (1/ 10) ترجمة الصديق رضي الله عنه، حيث قال: ( ... وإن غلب عليك الهوى والعصبية لرأي أو لمذهب؛ فبالله لا تتعب، وإن عرفت أنك مخلّط مخبّط مهمل لحدود الله؛ فأرحنا منك، فبعد قليل ينكشف البهرج، وينكب الزغل، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فقد نصحتك، فعِلم الحديث صلف، فأين علم الحديث؟ وأين أهله؟ كدت أن لا أراهم إلا في كتاب، أو تحت تراب) .اهـ
فهل يقال: إن الذهبي يسب أو يشتم أهل الحديث، الذين هم القطان وابن مهدي وأحمد ويحيى والرازيّان والبخاري ومسلم والنسائي والدارقطني وغيرهم؟! كما هو الحال عند المخالفين: فمن حَذَّر من تهوّرهم، أو مجرد أنه يشتكي من إسرافهم وظلمهم؛ ثاروا عليه: فلان يسب أهل السنة، ويحارب أهل الحديث، ويعادي أهل الجرح والتعديل، الذين يذبون