الصفحة 4 من 60

كلام ابن الوزير، وكال له الاتهامات، ولنفاسة هذا الكلام؛ أذكره بتمامه، والله الموفق لكل خير ورشاد.

قال ابن الوزير -رحمه الله-:"وقد أخلَّ السيد -أيده الله- بقاعدة كبيرة، هي أساس المناظرة، وأصل المراسلة، وهي إيراد كلام الخصم بلفظه أولًا، ثم التعرض لنقده ثانيًا، وهذا شيء لا يغفل عنه أحد من أهل الدربة بالعلوم، والخوض في الحقائق، والممارسة للدقائق، وإنما تختلف مذاهب النقاد في ذلك، ولهم فيه مذهبان:"

المذهب الأول: أن يورد كلام الخصم نصه، ويتخلص من التهمة بتغيره ونقصه, وهذاهو المذهب المرتضى عند أمراء الفنون النظرية، وأئمة الأساليب الجدلية، وقد عاب عبدالحميد بن أبي الحديد على قاضي القضاة (!!) أنه ينقض كلام السيد المرتضى، في مراسلات دارت بينهما، ولا يورد لفظه.

واعلم أن ترك كلام الخصم؛ ظُلْمُ له ظاهر، وحيف عليه واضح، لأنه إنما تكلم ليكون كلامه موازنًا لكلام خصمه في كفة الميزان الذهني، وموازيًا له في جولة الميدان الجدلي، لأن المنفرد يرجح في الميزان، وإن كان خفيفًا، ويسبق في الميدان، وإن كان ضعيفًا، وهذا كله إذا كان للخصم كلام يُحفظ، واختيار يصح أن يُنقض، فمن العدل بيان قوله، وحكاية لفظه، وأما إذا لم يكن له مذهب ألبتة، وإنما وُهِمَ عليه في مذهبه، ورُمِيَ بما لم يقل به؛ فهذا ظلم على ظلم، وظلمات بعضها فوق بعض.

المذهب الثاني من مذاهب النقاد في نقد كلام الخصوم: أن يحكوا مذاهبهم بالمعنى، وفي هذا المذهب شوب من الظلم، لأن الخصم قد اختار له لفظًا، وحرر لدليله عبارة، ارتضاها لبيان مقصده، وانتقاها لكيفية استدلاله، وتراكيب الكلام متفاوتة، ومراتب الصِّيغ متباينة، والألفاظ معاني المعاني، والتراكيب مراكيب المتناظرين، وما يرضى المبارز للطراد بغير جواده، ولا يرضى المرافع للبناء بغير أساسه، مع أن قطع الأعذار؛ من أعظم مقاصد النظار، وهذه الأمور (إن) لم تكن مظالم شرعية، وحقائق حسّية؛ فهي آداب بين المتناظرين رائقة، ولطائف بين المتأدبين لائقة، ومراقٍ إلى العدل والتناصف، ودواعٍ إلى الرفق والتعاطف،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت