فهرس الكتاب
القرآن، والتنفير عما لا يهتدي عقله إلى فهمه، فيزيغ قلبه، فيهلك، فأراد عمر -رحمه الله- أن يكسره عن ذلك، ويذله، ويشغله عن المعاودة إلى مثل ذلك.
فإن قلت: فإنه قال: (لو وجدتك محلوقًا؛ لضربت الذي فيه عيناك) فمن حلق رأسه؛ وجب عليه ضرب العنق؟! فإني أقول لك: مِنْ مثل هذا أُتِيَ الزائغون، وبمثل هذا بُلي المنفِّرون، الذين قصرت هممهم، وضاقت أعطانهم عن فهم أفعال الأئمة المهتدين، والخلفاء الراشدين، فلم يحسّوا بمواضع العجز من أنفسهم، فنسبوا النقص والتقصير إلى سلفهم، وذلك أن عمر -رضي الله عنه- قد كان سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (يخرج قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول الناس، يقرءون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام، كما يمرق السهم من الرمية، من لقيهم؛ فليقتلهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله) .
قال: وفي حديث آخر: (طوبى لمن قتلهم، وطوبى لمن قتلوه) ، قيل: يا رسول الله، ما علامتهم؟ قال: (سيماهم التحليق) ، فلما سمع عمر رضي الله عنه مسائله فيما لا يعنيه؛ كشف رأسه، لينظر: هل يرى العلامة التي قالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والصفة التي وصفها، فلما لم يجدها؛ أحسن أدبه، لئلا يُتَغالى به في المسائل، إلى ما يضيق صدره عن فهمه، فيصير من أهل العلامة الذين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتلهم، فحقن دمه، وحفظ دينه بأدبه -رحمة الله عليه ورضوانه- ولقد نفع الله صبيغًا بما كتب له عمر في نفيه، فلما خرجت الحرورية، قالوا لصبيغ: إنه قد خرج قوم يقولون كذا وكذا، فقال: هيهات، نفعني الله بموعظة الرجل الصالح، وكان عمر ضربه، حتى سالت الدماء على وجهه، أو رجليه، أو على عقبيه، ولقد صار صبيغ لمن بعده مثلًا، وتردعة لمن نقّر وألحف في السؤال).اهـ وانظر"ذم الكلام"للهروي (4/ 315) ،و"تفسير ابن كثير" (4/ 296) .
(و) أي من وجوه الرد على استدلال الشيخ ربيع بهذه القصة- أن المسلمين قبلوا توبة صبيغ، بعد المدة التي رآها عمر، أما المخالفون فيرمون خصومهم -وإن بادروا بالتوبة لله عز وجل لا لهؤلاء- بالزندقة والتلون و اللف والدوران، مع أن بعض مخالفيهم، لا يوجد له خطأ واحد، إلا وله تأويل عند أهل العلم، ولا يلزم من ذلك المروق من السنة وأهلها، وأكثر هذه