تحقيق العدالة الاجتماعية بنظام الملكية المتعددة - الطاهر قانة
يقوم التوزيع العادل في الاقتصاد الإسلامي على أساسين؛ الأول: أن العامل أحق بثمرة عمله من غيره، وهذا ما يحفزه على بذل جهد أكبر في الإنتاج، رفعا لكميته أو تحسينا لنوعيته، مما يعود بالرفاهية والتقدم للمجتمع ككل.
والثاني: التوفيق بين المصلحة الخاصة للفرد والمصلحة العامة للمجتمع قدر الإمكان، فإن حدث تعارض؛ تُقدّم مصلحة المجتمع بلا شك، فالتضحية بالواحد من أجل الجميع مما اتفقت عليه الشرائع والعقول. وتبعًا لذلك فإن التوزيع غير العادل يزيد من التعارض وعدم الانسجام بين الطلب الكلي والعرض للكلي للسلع والخدمات الاستهلاكية والاستثمارية على السواء، والذي ينجم عنه من الأزمات الاقتصادية والأمراض الاجتماعية ما يصرف المنتجين عن العمل والإنتاج، وبالتالي تحل البطالة والفقر، وتتزايد الصراعات الاجتماعية، مثلما تم التعرض إليه عند الحديث عن أحوال المجتمعات الرأسمالية والاشتراكية ومن سار في ركبها. وهذه محاولة لتحليل العلاقة بين تطبيق الملكية في الاقتصاد الإسلامي بأشكالها الثلاثة، خاصة وعامة ودولة، والنتيجة المتوخّاة من ذلك على توزيع الدخل والثروة في المجتمع، وذلك ببيان دور الملكية في الاقتصاد الإسلامي في تحقيق التوزيع الأمثل للدخول والثروات، ومن ثم الوصول إلى العدالة الاجتماعية المطلوبة، كما تضمن هذا الفصل نظرةً مستمدةً من الواقع المُعاش لما يتطلبه تطبيق نظام الملكية في الاقتصاد الإسلامي من تغيير للنفوس وإصلاح للأوضاع حتى ينال المجتمع ثمار هذا التطبيق، دون أن يكون عرضة لشبهة عدم صلاحية هذا النظام للتطبيق في العصر الحاضر، ولا اتهام للقائمين على الدعوة إليه بأنهم يعيشون في غير عصرهم.
دور الملكية في تحقيق العدالة التوزيعية في الاقتصاد الإسلامي: هناك"دراسات متعددة تحمل عنوان النظام الاقتصادي الإسلامي في حين أنها في الواقع مقصورة على جزء من أجزاء ذلك النظام.
مثال ذلك الدراسات التي تتركز حول الخلفيات القانونية للنظام الاقتصادي مثل قضايا الملكية وتفصيلاتها القانونية أو الدراسات التي تقتصر على عرض المبادئ العامة للنظام الاقتصادي وحدها دون أن تخطو خطوة أخرى لتحليل نتائج تطبيقها ودراسة كيفية تفاعلها. إن دراسة تقتصر على المبادئ العامة للاقتصاد الإسلامي وتسمي نفسها دراسة للنظام الاقتصادي في الإسلام إنما هي أشبه بدراسة تقتصر على قواعد الإعراب وتزعم شمولها لفنون اللغة أجمعها! ". ( [1] )
دور الملكية في التوزيع العادل في الاقتصاد الإسلاميالتوزيع العادل للدخل والثروة من أهداف الاقتصاد الإسلامي التي جاءت مبادئه ونظمه لتجسيدها في واقع المسلمين الملتزمين بها، ونظام الملكية ذات الأشكال المتعددة من بين تلك النظم التي يعوَّل عليها في تحقيق هذا الهدف الاجتماعي السامي، سواء في التوزيع الأولي للثروات الطبيعية قبل انطلاق عملية الإنتاج، أو بعد الانتهاء منها والاتجاه نحو التوزيع الوظيفي لعوائد عوامل الإنتاج التي يقرّها الاقتصاد الإسلامي. دور الملكية في التوزيع العادل للثروات الطبيعية في الاقتصاد الإسلاميتعتبر الأرض أهم مصادر الثروة، لأنها مصدر جميع الثروات والموارد الطبيعية المختلفة، وكل استخراج أو إنتاج لهذه الموارد فإنه يعود إلى هذه الأرض التي تعتبر في الاقتصاد الإسلامي إما ملك خاص أو ملك عام أو ملك للدولة ( [2] ) ، كما تم ذكره في بيان مجالات الملكية.
وقد اهتم الاقتصاد الإسلامي في معالجة التوزيع منذ انطلاقته الأولى بتوزيع الثروات الطبيعية ومصادر الإنتاج الأولية على أشكال الملكية الثلاث؛ الخاصة والعامة والدولة، حيث أعطى لكل شكل منها نصيبا أو مجالا تؤدي فيه وظيفتها وتشبع به الحاجات العامة والخاصة لأفراد المجتمع، كما تحقق التوازن الاجتماعي والاقتصادي بينهم، وهذا بيان لنصيب كل شكل منها: أولًا: نصيب الملكية الخاصةلقد تمت ملاحظة أن الملكية الخاصة قد أخذت نصيبها من الطبيعة وثرواتها؛ حيث يسمح الاقتصاد الإسلامي لأفراد المجتمع بالملكية الخاصة للموارد الطبيعية، أعيانا ومنافع وحقوق، إما بسبب العمل المباشر فيها بالإحياء أو التحجير أو الصيد والإحراز وغير ذلك، أو بالإقطاع من وليّ الأمر لحاجة اجتماعية أو اقتصادية ارتآها باجتهاده. ( [3] )
فالاقتصاد الإسلامي يمنح للفرد ملكية المورد الطبيعي الذي أصابه بعمله وجهده، على شرط أن يكون في حدود كفايته، ودون تصادم مع حقوق الآخرين، وأن لا يكون من ضمن ملكية الدولة أو الملكية العامة للمجتمع، كما يسمح الاقتصاد الإسلامي للفرد بتملك المورد الطبيعي مؤقتًا عن طريق التحجير؛ أي ضرب الحدود حول ما يريد إحياءه من الموات ( [4] ) ، لمدة لا تفوق ثلاث سنوات عند فقهاء الحنفية، وتقدّر حسب العرف عند غيرهم، فإن لم تكن هناك عمارة أو استصلاح لهذا المورد طيلة هذه المدة؛ يُنتزع منه ليُمنَح إلى غيره، كما في إقطاع الأراضي وإحياء الموات. ( [5] )