الصفحة 2 من 22

وهذه القيود أو الشروط على الملكية الخاصة يخدُم بها الاقتصاد الإسلامي النوعين الآخرين للملكية؛ العامة والدولة، في بقاء الحيِّز الكافي لهما من الطبيعة، لما يترتب عن تقلُّصِ هذا الحيّز من تضخّم للثروات الطبيعية في أيدي الأقلية على حساب غالبية أفراد المجتمع، كما هو مشاهد في البيئات الرأسمالية التي تتبنى الملكية الخاصة والمطلقة، ولا توافِقُ على أي تقييد لحرية أصحابها، بناء على نظرتها التقديسية للفرد وفلسفتها في الوصول إلى مصلحة المجتمع ورفاهيته، كما تمّ عرضه وبيانه في الفصل الأول من هذه الدراسة. ثانيًا: نصيب الملكية العامةيمنح الاقتصاد الإسلامي لمجموع الأفراد المشكلين في جماعاتٍ بعينها، أو للمجتمع الإسلامي بأكمله؛ الحق في الملكية العامة للموارد الطبيعية والمصادر الأساسية للإنتاج؛ وبالخصوص ما كانت حاجة الجميع إليه ماسّة؛ كالماء والكلأ والنار، أو كان من الموارد الضخمة ذات الدخول الكبيرة التي لا تقابلها جهود وتكاليف موازية لها عند استغلالها؛ كالمراعي الواسعة والمعادن الظاهرة، وما شابه ذلك مما يلبي الحاجات الأساسية للمجتمع، التي تتميز بالعموم والاشتراك. ( [6] )

وأساس الاعتراف بالملكية العامة لهذه الثروات الطبيعية هو مصلحة الجماعة وحقها في تلبية ضرورياتها وحاجياتها المختلفة من الطبيعة، لذلك كان نصيب الملكية العامة منها يتمثل فيما كان من مرافق الجماعة ومستلزماتها، أو ما كانت طبيعته لا تسمح بتملكه ملكية خاصة للأفراد أو الدولة، بالإضافة إلى ما كانت موارده وإدراراته كبيرة، بحيث يؤثر تملكها الخاص على التوازن الاقتصادي والاجتماعي لفئات المجتمع. ( [7] )

ولا شكّ أن تمكّن أفراد محدودي العدد من وضع أيديهم على الموارد الاقتصادية والمصادر الإنتاجية، التي هي في الأصل ملك للمجتمع، وليست حقًا لهؤلاء الأفراد، كما أنهم لا يستطيعون تشغيلها كلها؛ سيؤدي حتمًا إلى خلل في التوزيع من أساسه، إذ تتضخم ثروات أفرادٍ قليلين في مقابل حرمان المجتمع بأكمله من هذه الموارد، وبالتالي انعدامٌ للميادين الطبيعية للاسترزاق والكسب أمام الجموع الغفيرة من أفراد المجتمع، وقضاءٌ على الوسائل الطبيعية لتملّك المباحات بالإحراز والاستيلاء، مما يؤدي بالباحثين عن العمل إلى الدخول تحت سيطرة واستعباد المستحوذين الخواص على الثروات الطبيعية العامة، باعتباره السبيل الوحيد للعمل والحصول على القوت، وهو ما يخالف العدالة والمساواة بين بني البشر. كما أنّّ هدف هؤلاء المستحوذين على أنصبة الملكية العامة من الطبيعة؛ هو زيادة ثرواتهم وتضخيمها، فمن المستبعد أن يكون غرضهم القيام بتوظيف جميع أفراد المجتمع فيما استولوا عليه من ثروات، لأن ذلك يتناقض مع حساباتهم التوسعية للثروة وتعظيمها، فتطال البطالة والفقر شرائح اجتماعية واسعة نتيجة هذا الاستيلاء المجحف على الطبيعة كما تشهده المجتمعات الرأسمالية.

ولهذا فإن الاقتصاد الإسلامي يعطي الحق، من البداية، لكل فرد قادر أو عاجز في المجتمع المسلم؛ أن ينتفع بالملكية العامة للموارد الطبيعية ومصادر الإنتاج، وله الحق في امتلاك ما يستطيع منها، وفقًا لقدرته، وبقدر حاجته، ودون تعارض مع مصلحة الآخرين، فإن كان هناك تعارض؛ فالكل سواء في الانتفاع بذلك المورد الطبيعي. ( [8] )

ثالثًا: نصيب ملكية الدولةيعطي الاقتصاد الإسلامي للدولة الإسلامية ممثَّلة في وليّ الأمر، أن تمتلك من الطبيعة الكثير من الموارد؛ كالأراضي البيضاء (الموات) ، والثروات الباطنية من المعادن المختلفة، الجامدة والسائلة، كما أن لها أن تحمي ما تشاء من الأراضي الخاصة والعامة؛ باجتهاد من وليّ الأمر، ويكون كل ذلك وما شابهه من الثروات الطبيعية تحت تصرفه، ضمن صورة ثالثة من صور الملكية في الاقتصاد الإسلامي؛ وهي ملكية الدولة، استجابة لحاجاتها السلطوية في الاضطلاع بمسؤولياتها الأمنية والدفاعية والرقابية، والقيام بشؤونها الاقتصادية والاجتماعية المختصة بها. ( [9] )

وبهذا يتبين أن الطبيعة في الاقتصاد الإسلامي بما تضمّه من مصادر إنتاج ومواد أولية؛ تُوزّع ابتداء، وقبل الخوض في مجالات الإنتاج، على أشكال الملكية الثلاثة؛ الخاصة والعامة والدولة، فتأخذ كل ملكية نصيبها، تحقيقًا للعدل وتكافؤًا للفرص بين الجميع من البداية. ولو تمّ إمعان النظر في سبب إخفاق النظامين الرأسمالي والاشتراكي في علاج المشكلة الاقتصادية، وجانب التوزيع منها على الخصوص؛ لثبت أن توزيع الأصول (الأراضي مثلًا) له التأثير الأكبر على توزيع الدخول ( [10] ) ، وهو ما أيّدته الدراسات الحديثة حتى عند الغرب. ( [11] )

فالاقتصاد الإسلامي بهذا التوزيع الأولي للطبيعة، واعترافه بالملكية العامة فيها؛ يسدّ الباب أمام كل احتكار فردي واستغلال طفيلي لموارد المجتمع؛ بتقنين شريعة ظالمة، أو بسَبْقٍ في غفلة، كما هو الشأن في المجتمعات الرأسمالية؛ الذي نجم عنه التبديد العشوائي لهذه الموارد، وحرمان المجتمع من الاستفادة منها، وتضخم ثروات الأقلية من الأفراد على حساب مصالح الأغلبية، جرّاء تبني الملكية الخاصة والمطلقة إلى أبعد الحدود في النظام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت