الرأسمالي؛ والتي كانت السبب في هدم أسس العدالة الاجتماعية فيه، بداية من التوزيع السيئ لثروات الطبيعة ومواردها. ولا شك أن الأنظمة الاشتراكية، المبنية على قاعدة الملكية العامة للطبيعة، وحرمان الأفراد منها؛ تخالف أيضًا ما ذهب إليه الاقتصاد الإسلامي في هذا الجانب ( [12] ) ، بإقراره للملكية الخاصة لبعض الموارد الطبيعية، التي تُنال بالعمل فيها، أو بإقطاع من ولي الأمر لبعض الأفراد منها، وذلك قبل صيرورتها إلى دواليب الإنتاج، حيث قطع السبيل أمام أي تذرّع، أو تملّص من المسؤولية، من أولئك الذين يعلّقون حرمانهم وعدم إشباع حاجاتهم على عاتق المجتمع أو الدولة، دون التصدي للبطالة الإرادية والكسل المخيم عليهم، كما حدث في البيئات الاشتراكية؛ قال تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى، وََأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى} . ( [13] )
وخلاصة القول؛ أن الاقتصاد الإسلامي يقسم الثروات الطبيعية على ثلاث فئات: الفرد والجماعة والدولة، وكان الاعتبار الأول في هذا التقسيم هو الإقرار بحاجة الإنسان الفطرية لحيازة الثروة، فلم يمنعه من حيازتها، ولم يمنعه من السعي لها وتنميتها والتصرف بها، ولكن ضمن أسباب مشروعة تمنع الاضطراب والفساد الذي يسود علاقات الناس بسبب تفاوتهم في القوى الجسمية والعقلية وفي الحاجة إلى الإشباع، كما جعل الاقتصاد الإسلامي أموالًا بعينها مشتركة بين جميع الناس ومنع الأفراد من حيازتها، لكن جعلهم ينتفعون بها بشكل جماعي، كما جعل للدولة أيضا ملكية تخضع لتدبير وليّ الأمر يخصّ بعض الأفراد بشيء منها حسب ما يرى، وذلك كالجزية والفيء والخراج وغيرها، وتمكنها من رعاية شؤون الناس التي على رأسها توفير الحاجات الأساسية لأفراد المجتمع. وبهذا التقسيم الأولي لمصادر الإنتاج الطبيعية؛ يكون الاقتصاد الإسلامي قد وضع القاعدة الأساسية للتوزيع العادل للثروات، ومن ثمّ للتوزيع الوظيفي للدخول الناشئة من الإنتاج، على اعتبار أن عوامل الإنتاج ما هي إلا موارد طبيعية وبشرية في حالة اشتغال، وبالتالي فملكيتها مقسمة على أنواع الملكية الثلاثة؛ الخاصة والعامة والدولة، انطلاقًا من التقسيم الأولي للطبيعة، وبهذا تتحقق العدالة في التوزيع بين جميع شرائح المجتمع، أفرادا وجماعات ودولة. دور الملكية في التوزيع الوظيفي للدخل في الاقتصاد الإسلامييُعرَّف الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي بأنه:"توظيف الفرد المسلم - أو الجماعة المسلمة- ماله الزائد عن حاجاته الضرورية بشكل مباشر أو غير مباشر في نشاط اقتصادي لا يتعارض مع مبادئ الشرع ومقاصده العامة، وذلك بغية الحصول على عائد منه يستعين به ذلك الفرد المستثمر - أو الجماعة المستثمرة- على القيام بمهمة الخلافة لله وعمارة الأرض". ( [14] )
ومثلما كان للملكية في الاقتصاد الإسلامي دورها في توزيع الموارد الطبيعية على الفرد والجماعة والدولة؛ كذلك كان لها الدور البارز في استثمار هذه الأموال في الأعمال المشروعة، وتحريم اكتنازها أو احتكارها، إلا لحاجة أو مصلحة مشروعة، وأبواب الفقه الإسلامي قد استوعبت كثيرا من طرق الاستغلال والاستثمار لهذه الأموال، ومن ثمّ الحصول على عوائدها المختلفة، وتداولها والتصرف فيها، وفق الأشكال الثلاثة للملكية.
أولًا: وظيفة الملكية الخاصة في توزيع الدخليعترف الاقتصاد الإسلامي بحق الأفراد في الملكية الخاصة لما ينتجونه، ولما يحصلون عليه من دخل العملية الإنتاجية، سواء كان أجرًا أو ربحًا أو ريعًا، حسب وظيفة كل فرد في الإنتاج؛ عاملًا أو صاحب مالٍ أو صاحب أرضٍ، بناء على امتلاك كل فرد لعامل من عوامل الإنتاج. ( [15] )
فالاقتصاد الإسلامي يكفل حق الفرد في الثروة التي اكتسبها بعمله، ويقرر حماية كاملة للمال الذي حصله بجهده وكفاحه، سواء كان هذا المال من وسائل وأدوات الإنتاج كالأراضي والمصانع والمباني والآلات ورؤوس الأموال، أو كان مما تنتجه هذه الوسائل والأدوات من سلع وخدمات استهلاكية كالمأكل والمشرب والملبس وغير ذلك. وبذلك يرسي الاقتصاد الإسلامي قواعد العدالة في توزيع الدخل بناء على منح العامل نتيجة عمله، وتمليك المكافح ثمرة كفاحه وجهده، قال U: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّم لِّلْعَبِيدِ} ( [16] ) ، وقال I: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} . ( [17] )
وعلى هذا الأساس يكون لكل فرد في المجتمع المسلم فرصة إشباع حاجاته الخاصة والمختلفة، التي لم تَقْوَ الطبيعة على إشباعها له في مرحلة التوزيع الأولي؛ وذلك عن طريق ملكيته الخاصة؛ بالحصول على منافعها الناشئة من استثمارها في المشاريع الإنتاجية المختلفة، ثم صرفها في أوجه الإنفاق المشروعة، وفق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا، وهكذا، يقول: فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك". ( [18] )
وبهذا يتأكد أن الاقتصاد الإسلامي، يعالج مشاكل الفقر ومساوئ التوزيع، في إطار النشاط الإنتاجي، أي من خلال العملية الإنتاجية، وقبل إعادة التوزيع واللجوء إلى التحويلات الاجتماعية من الأغنياء إلى الفقراء. ( [19] )