ثانيًا: وظيفة الملكية العامة في توزيع الدخللما كان من حق الأفراد، باعتبارهم جزءًا من المجتمع، أو هم المجتمع كله؛ إشباع حاجاتهم العامة، والتي تتسم بالعموم والشمول، كالصحة والتعليم والأمن والعدل؛ وحقهم أيضا في الاستغلال جماعيًا لملكيتهم العامة للموارد الطبيعية ومصادر الإنتاج الأولية، التي لها صبغة العموم والاشتراك؛ فقد أقرّ الاقتصاد الإسلامي حق الجماعة في الملكية العامة للدخل الناجم عن العمليات الإنتاجية الدائرة في مجال اختصاصها ( [20] ) ، بعد خصم تكاليف الاستثمار؛ مثل العمليات التي تباشرها الدولة نيابة عن المجتمع، أو تعطيها للخواص إجارة أو مشاركة، كالصيد البحري، والتنقيب عن المناجم، واستخراج المعادن وتحويلها، وما شابه ذلك. وفي الماضي كانت الأموال العامة تُجبَى وتُنفَقُ في الغالب على المستحقين، دون تنمية أو استثمار، أما اليوم فقد أصبح القائمون على إدارة هذه الأموال حريصين على تنمية المال العام وتحقيق الربح من خلال أنشطة اقتصادية مختلفة كالزراعة والصناعة والتجارة والخدمات. ( [21] )
وقد ذهب الفقهاء إلى جواز استغلال الدولة للملكية العامة؛ كالأرض التي تحميها الدولة لمصلحة عامة، أو الأرض المأخوذة من الكفار، أو الموارد الطبيعية الباطنية، وذلك في صورة مشروعات أو شركات اقتصادية، وبالأخص المشروعات الإستراتيجية ومشروعات البنية الأساسية التي تدخل في نطاق النفع العام، كمشروعات استخراج المعادن وتصنيعها، ومشروعات المرافق العامة التي يلزم قيام الدولة بها، وغيرذلك. ( [22] )
ووليّ الأمر بشخصيته الاعتبارية هو الذي يقوم بتنمية الملكية العامة وتثميرها، باعتباره وكيلا عن الأمة ومسؤولا عن رعاياها لا فردًا عاديًا من أفرادها؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لمَّا استُخْلِفَ أبو بكرٍ الصديقُ t قال:"لقد عَلِمَ قَوْمي أنَّ حِرْفَتي لم تَكُن تَعْجِزُ عن مَؤُنَةِ أهلي، وشُغِلْتُ بأمْرِ المسلمينَ، فسيأكلُ آلُ أبي بكرٍ من هذا المالِ، ويَحْتَرِفُ للمسلمين فيه". ( [23] )
وقد كانت الدولة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين تعالى، تستثمر أموال الزكاة، المحفوظة في بيت المال، كنوع من أنواع الملكية العامة؛ إذ كان لحيوانات الصدقة من إبل وبقر وغنم أراضٍ خاصة محميّة لرعيها وتناسلها، كما كان لها رعاة يشرفون عليها ويحفظونها؛ فعن أنس بن مالك t: أن ناسًا من عرينة اجْتَوَوْا المدينةَ (اسْتَوْخَمُوهَا) ، فرخَّصَ لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ، فشربوا من ألبَانِها وأبْوالِها، فقَتَلوا الرَّاعي واسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَأُتِيَ بهم، فقَطَع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، وتركهم بالحَرَّة يعُضُّون الحجارة". ( [24] )
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أيضًا قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في يَدِهِ المَيْسَمَ، يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ". ( [25] ) وهذا يدل على أن المواشي التي تؤخذ من المزكّين كانت تُجمع في حظائر قبل أن تُقسم على المستحقين لها ( [26] ) "وفي الحديث اعتناء الإمام بأموال الصدقة وتوليها بنفسه وجواز تأخير القسمة لأنها لو عجلت لاستغنى عن الوسم" ( [27] )
ولا شك أن وسم حيوانات الصدقة، ووضع علامات لمعرفتها؛ يوحي بأنها تبقى زمنًا تحت حماية الدولة؛ حتى يعرف كل مال فيؤدى في حقه، ولا يتجاوز به إلى غيره ( [28] ) ؛ مما يُحتم استغلاله وبالتالي رعايته واستثماره؛ فعن زيد بن أسلم t أنه قال: شربَ عمرُ بن الخطابِ لبنًا فأعْجَبَهُ، فسألَ الَّذي سَقَاهُ: مِنْ أينَ هذا اللَّبَن؟ فأخْبرَهُ أنَّهَ وَرَدَ على مَاءٍ قَدْ سَمََّاهُ، فإذا نَعَمٌ من نَعَمِ الصَّدَقَةِ، وَهُمْ يَسْقُونَ، فَحَلَبُوا لي مِنْ أَلْبَانِهَا، فَجَعَلْتُهُ في سِقَائِي فَهُوَ هذا. فَأَدْخَلَ عمرُ بن الخطابِ يَدَهُ فَاسْتقاءَهُ. ( [29] )
وعلى هذا الأساس فإنه يجوز إنشاء المؤسسات الإنتاجية من أموال الزكاة، وجعلها وقفًا على مستحقيها، خاصة إذا دعت إلى ذلك ضرورة، فعن أبي لاَسٍ t قال:"حَمَلَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ لِلْحَجِّ" ( [30] ) ، مما يدل على جواز صرف شيء من سهم سبيل الله من الزكاة إلى القاصدين للحج والعمرة، مثلما يجوز للدولة إنشاء مصانع الأسلحة والمعامل الحربية من أموال الزكاة، وجعلها وقفًا على المقاتلين، من خلال مصرف"في سبيل الله". ( [31] )
كما أن المصلحة العامة تقتضي أن تقوم الدولة باستخراج المعادن الظاهرة والباطنة، كالنفط والحديد والرصاص والنحاس والملح وغيرها، لأن لكل فرد في المجتمع حق فيها، ويستحيل أن يتم ذلك إلا بأن تقوم الدولة بأعمال استخراجية وتحويلية وتصنيعية لهذه المعادن، ثم تنفق العوائد الناتجة منها على مصالح المسلمين، ولها أن تعطي الحق في ذلك للأفراد والشركات الخاصة، مع الإبقاء على ملكية المعادن لعامة المسلمين وليس لفرد أو شركة، وكذلك قطاع الخدمات العامة الذي تشرف عليه الدولة نيابة عن المجتمع، وتساهم في تنميته واستثمار موارده وتحصيل عوائده، وبالتالي التمكن من ترقيته وتحسين أدائه باستمرار. ( [32] )