فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 96

الجادُّون هم الذين يسهرون لياليهم في القرآن الكريم تلاوة وعملًا وتفسيرًا وفهمًا، ورجوعًا إلى المصادر التي تُفهِم القرآن على منهج السلف الصّالح.

«وَأَظْمِ جَوَارِحِي» ؛ أي: عطّش جوارحي بكثرة ما ألهج بتلاوة كتابك، وليس المراد يا عبد الله أن تضني نفسك حتى السأم؛ فإنَّ هذا لا ينبغي وإنّما ساعة وساعة؛ كما يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم لحنظلة، ولأن المنبتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى, اقرأ ساعة ونم مثلها؛ ثمّ قم واقرأ وهكذا هذا هو مقصود المصنِّف؛ أنّه يطبِّق وفق السنة، وليس المراد أن تضني نفسك إلى درجة السآمة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (( إنَّ الله لا يملَّ حتَّى تملُّوا"، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم [يتخوّل] أصحابه بالموعظة تخولًا، ولذلك هذا هو المقصود بقوله: «أَسْهِرْ بِهِ لَيْلِي وَأَظْمِ جَوَارِحِي» اجعل جوارحي تتلهف إليه وتعطش من كثرة الجهد فيه؛ لأنّه جهد مبارك، وكما قلت يعني ليس المراد أن يتبتَّل المسلم وينقطع في العبادة تمامًا، فإن هذا قد نُسِخَ ولله الحمد من شريعتنا، وإنّما المراد أن تراعي ثلاثة حقوق: حق نفسك وحق أهلك وحق إخوانك، وقبل ذلك حق الله -عزَّ وجلَّ- أربعة حقوق فتنبه لهذا"إنّ لنفسك عليك حقّ فأعط كلّ ذي حقّ حقه"هذا هو المراد بالبيت، وليس المراد التبتل والانقطاع الكلِّي، وإنَّما المراد أن القرآن هو شغله الشَّاغل قولًا وعملًا واعتقادًا وعلمًا؛ بل تعلُّمًا وتعليمًا نعم."

«أَسْبِلْ بِفَيْضِ دُمُوعِهَا أَجْفَانِي» بمعنى أنَّه يتضرَّع إلى الله -عزَّ وجلَّ- أن يرزقه التأثر بالخشوع عند تلاوة القرآن والعمل به، والتأثُّر به والتأثير به؛ لأنَّه كلام عظيم لو أنزل على الجبال لتهدهدت؛ قال الله سبحانه: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21] المقصود أن المسلم الحق يتأثر ويخشع قلبه، وقد تذرف عينه وتدمع من خشية الله حين تلاوة القرآن، وهذا عند تفهّمك لمعانيه وتدبرها وتأملها؛ كما قال الله -عزَّ وجلَّ-: أَفَلَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت