فهرس الكتاب
الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 56 - 58] , {وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الجمعة: 11] ؛ فالله -عزَّ وجلَّ- هو المتكفِّلُ بالرِّزق وهو المتكفِّل بالسُّقيا؛ لأنّ الماء أساس كلّ رزق {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] ، فمن منَّ الله عليه بهذا الرِّزق وسخَّره في طاعة ربِّه؛ سَعُدَ في دنياه وفي آخرته.
وقوله: «مِنْ غَيْرِ كَسْبِ يَدٍ وَلاَ دُكَّانِ» ؛ يدل على أهمية التوكل، وأنَّه بمنزلة الرأس من الجسد, (( لو أنّكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا ) ).
طيب عندنا سؤال هنا: هل يُفهم من السطر الأخير أنَّ الإنسان يجلس فلا يكسب بيده ولا يفتح حانوت دكانًا ولا يبحث عن أسباب طلب الرِّزق؟ أبدًا, لا يُفهم هذا من هذا البيت؛ وإنَّما هذا البيت يُبيِّن أنَّ حقيقة الرِّزق من الله بغضِّ النظر عن الأسباب التي يُهيِّأها الله ويرتِّبها على مسبِّباتها ويرتب مسبباتها عليها, ومقصوده: أنّه لا حول ولا طول ولا قوَّة لنا إلاَّ بالله، وليس المراد ولا يَفهم أحد من كلام الشّيخ هنا أنَّ الإنسان يجلس فلا يعمل ينتظر السَّماء تمطر عليه ذهبًا أو فضّة, أبدًا، لا يفهم أحد ذلك؛ بل إنَّ هذا الفهم معارض للقرآن والسنّة فإنّ الله -سبحانه وتعالى- يقول: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10] و يقول -تبارك وتعالى-: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ} [البقرة: 187] و يقول -جلَّ وعلا-: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ} [المزّمِّل: 20] يبتغون من فضل الله فطلب الرّزق والسّّعي في ذلك من سنن الأنبياء والمرسلين, ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو؟ أو أن يتكفف النّاس أعطوه أو منعوه ) ).