فهرس الكتاب
[الشرح]
«وَلأَعْرَضُوا عَنِّي وَمَلُّوا صُحْبَتِي * وَلَبُؤْتُ بَعْدَ كَرَامَةٍ بِهَوَانِ» ، هذا كله تأكيد لما تقدم من اعترافه بتقصيره في جنب الله, أنّهم لو يعلمون حقيقة أمره وما تنطوي عليه نفسه؛ لأعرضوا عنه وابتعدوا عنه وهجروه ونأوا عنه، وانقلب صديقه عدًوا له، ولباء بعد العزّة بالهوان والذل؛ لأنَّ الذنوب تذل صاحبها وليس هناك ذل أعظم من ذل الذنوب؛ فإنها تذله أمام الله ثمّ أمام خلقه وتجعله ذليلًا منخنسًا؛ لكن المؤمن الحق الذي يعترف بذنوبه يُرجى له خير؛ الذي إذا سوّلت له نفسه أمرًا تذكَّر أنَّ له ربًا يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور؛ فرجع إلى ربه {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 201] ولذلك وعد الله -تبارك وتعالى- على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من همَّ بسيئة فلم يعملها بأن تكتب بدلًا منها حسنة؛ لأنّه رجع خوفًا من الله، وليس المراد أنّه حاول فلم يستطع.
والمقصود هنا أنّه يعترف بذنبه ويعترف بتقصيره في جنب الله -عزَّ وجلَّ- ولذلك يحمد الله على أن ستر ذنوبه وعيوبه وجعل له ذكرًا بين إخوانه مما حببهم إليه نعم.
[المتن]
«لَكِنْ سَتَرْتَ مَعَايِبِي وَمَثَالِبِي ** وَحَلِمْتَ عَنْ سَقَطِي وَعَنْ طُغْيَانِي»
[الشرح]
«لَكِنْ سَتَرْتَ مَعَايِبِي وَمَثَالِبِي * وَحَلِمْتَ عَنْ سَقَطِي وَعَنْ طُغْيَانِي»
يقول: يا ربي إنَّك رحمتني وعفوت عني وتكرّمت عليَّ وأكرمتني وتجاوزت عن سيَّئاتي وسترت عيوبي وغفرت ذنوبي وغمرتني بحلمك الذي غمرت به عبادك الصَّالحين؛ فما أحلم الله على عباده! الله -تبارك وتعالى- من أسماءه الحليم, إنَّ الله غفور حليم, إنَّ الله غني حليم، والحلم من صفات الربِّ -سبحانه وتعالى- فلولا حلمه؛ لأخذ الناس بذنوبهم