فهرس الكتاب
وليس المراد أن تعلُّقه على جسمك أو في سيَّارتك أو تزخرف به بيتك في حيطان الغرف, لا يا عبد الله بل هذا لعب بكتاب الله -جلَّ وعلا- وإنَّما المراد أن تتلوه وتعمل به وتتدبره وتجتهد في تطبيقه على الوجه الذي يرضي الله -سبحانه وتعالى- بهذا يُحرق الشّياطين وتطمئن به النفوس و تصلح به الأحوال ويقوى به الإيمان ويزداد به اليقين بإذن الله -تبارك وتعالى- نعم.
[المتن]
«أَنْتَ الَّذِي يَا رَبِّ قُلْتَ حُرُوفَهُ ** وَوَصَفْتَهُ بِالْوَعْظِ وَالتِّبْيَانِ»
[الشرح]
«أَنْتَ الَّذِي يَا رَبِّ قُلْتَ حُرُوفَهُ * وَوَصَفْتَهُ بِالْوَعْظِ وَالتِّبْيَانِ» , هذا كلام عظيم وهو تأكيد لما سبق أن أشرت إليه قبل قليل من أن القرآن قاله الرب -جلَّ وعلا- بحرف وصوت، سمع هذه الحروف وذلك الصّوت جبريل سماعًا حقيقيًّا من الربِّ -جلَّ وعلا-؛ ثمَّ نزل به وألقاه ودرَّسه وعلَّمه نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم؛
ولذلك قال: «أَنْتَ الَّذِي يَا رَبِّ قُلْتَ حُرُوفَهُ» ويشير بهذا إلى الردِّ على بعض الطوائف التي تنكر الحرف والصوت أن يقوله الربُّ -جلَّ وعلا-؛ لأنَّ منهم من زعم أن القرآن مخلوق خلقه الله كما خلق الأشياء كلها, ومنهم من زعم أنَّ الله خلقه في الهواء ثمَّ سمعه جبريل من الهواء, ومنهم من يقول أنَّ جبريل عبَّر عن الله في القرآن؛ فقال: القرآن عبارة عن كلام الله أو حكاية لكلام الله؛ لأنَّ الله لا يتكلَّم كلامًا حقيقيًّا عند تلك الطوائف المنحرفة -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا-؛ ولذلك قال: «أَنْتَ الَّذِي يَا رَبِّ قُلْتَ حُرُوفَهُ» وكلمة «قُلْتَ» ؛ أي: تكلمت به حقيقة لا مجازًا؛ فالقرآن بألفاظه ومعانيه قد تكلَّم به الرب -جلَّ وعلا-.
«وَوَصَفْتَهُ بِالْوَعْظِ وَالتِّبْيَانِ» ؛ يشير بهذا إلى الآيات التي تدلَّ على أن القرآن فيه موعظة وفيه بيان للناس؛ قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ} [يونس: 57] ماذا يعني