تعقباه بقولهما: قوله: (( ثقة ) )فيه نظر شديد، إلا أن يكون على قاعدته في توثيق المخضرمين، وكعب هذا لم يؤثر عن أحد من المتقدمين توثيقه، إلا أن بعض الصحابة أثنى عليه بالعلم، ولم يخرج له في"الصحيحين"ولا في أحدهما، وإنما جرى ذكره فيهما عرضًا، وعامة ما يرويه إنما هو مما نقله إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب مما كان ومما لم يكن، ومما حرِّف وبُدِّل ونُسخ، وقد أغنانا الله بما هو أصح منها وأنفع وأوضح وأبلغ، وقد روى البخاري في"صحيحه"في كتاب الإعتصام: باب قول النبي (: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء من طريق حُميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطًا من قريش بالمدينة لما حجّ في خلافته، وذكر كعب الأحبار، فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا لنبلو مع ذلك عليه الكذب، وصحّ عن عمر (فيما رواه أبو زرعة الدمشقي في"تاريخه"(1/ 544) أنه قال لكعب: لتتركن الأحاديث أو لألحقنك بأرض القردة على أنه ليس كل ما نسب إليه في الكتب بثابت عنه فإن الكذابين من بعده قد نسبوا إليه أشياء كثيرة لم يقلها )) .
قلنا: تعقبهما العلامة الفقيه المحدث المحقق المدقق جهبذ العصر غير منازع الدكتور هاشم جميل فقال - حفظه الله: (( اعتراض التحرير هذا من العجب العجاب، فالحافظ: لم يصرح في مقدمة التقريب أن قاعدته توثيق المخضرمين، ثم حتى لو صرح بهذا فهو ليس بحاجة إلى هذه القاعدة لكي يحكم بتوثيق كعب الأحبار، فالرجل قد روى عنه جملة من الصحابة منهم ابن عباس المعروف بتحريه لمن يروي عنهم، وروى عنه جملة من ثقات التابعين، ومنهم: سعيد بن المسيب المعروف بتحريه لمن يروي عنهم. وأيضًا فإن ثبوت العدالة لا تحتاج إلى أن ينص عليها معدل عند جملة من العلماء، وحتى الذين اشترطوا التنصيص عليها من واحد أو أكثر فهم إنما اشترطوا ذلك في غير المشهورين أما من اشتهرت عدالته بين أهل العلم، وشاع الثناء عليه فهذا يكفي في ثبوت عدالته من غير حاجة إلى معدل ينص عليها.(تدريب الراوي 1/ 301) .
وشهرة الرجل بين أهل العلم لا تحتاج إلى دليل، ورواية هذا العدد عنه من الصحابة والتابعين أكبر دليل على ذلك، ويكفي أن أبا الدرداء (- على جلالة قدره ومكانته في الإسلام حتى لقب(حكيم الأمة) . (تذكرة الحفاظ 1/ 24) - قد قال في كعب: (( إن عنده علمًا كثيرًا ) ) (طبقات ابن سعد 7/ 446، وفتح الباري شرح صحيح البخاري 13/ 413) .
وأما عن النص على توثيق كعب فقد وثقه ابن حبان، ونقل النووي الاتفاق على توثيقه، فقال فيه: (( اتفقوا على كثرة علمه وتوثيقه ) ). (تهذيب الأسماء واللغات