سادسا: بعض النقولات والفتاوى المتعلقة بالعمليات الجهادية قديما وحديثا
1 -يقول صاحب المغني: حين سئل: (لو أن رجلًا من المسلمين اقتحم في صفوف الكفار وأيقن الهلكة مع يقينه بعدم حدوث النكاية في العدو، هل يجوز هذا؟) . فأجاب: (نعم يجوز، وهذا حتي يعلم الكفار أن في أمتنا من يحب الموت أكثر من الحياة) .
بمعني آخر؛ هو ترسيخ لمفهوم الاستشهاد في نفوس الأمة، وإشعار العدو بأن في أمتنا من يحرص علي الموت أكثر مما يحرص هو علي الحياة، وهو دون شك سلاح من شأنه أن يقذف الرعب في قلوب العدو.
وعلّق شيخ الإسلام ابن تيمية علي قصة المرأة التي ألقت بنفسها ورضيعها في النار، بقوله: (وفي هذا يُعلم أنه يجوز للمرء أن يلقي بنفسه إلي التهلكة ليُظهر الحق أو ليعرّف الناس الحق) .
وفي سلفنا الصالح الكثير من العلماء الذين"ألقوا بأنفسهم إلي التهلكة"، في مواجهة بعض الحكام أو الولاة الظالمين، فكان مصيرهم الموت المحقق، وعلي رأسهم سعيد بن جبير مع الحجاج، ولم يقل أحد من السلف أنهم ألقوا بأنفسهم إلي التهلكة، أو أبخسوا أو عابوا عنهم عملهم هذا، بل بالعكس، فهؤلاء ينطبق عليهم حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم: (سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلي إمام جائر فنصحه فقتله) .
والعلة في هذا هو مجرد إظهار الحق، وما كان يغلب علي ظن هؤلاء العلماء الشهداء، أن مواقفهم ستغير من واقع هؤلاء الحكام شيئًا، أو أنها ستزيل ظلمهم، إنما كانت نيتهم هو مجرد إظهار كلمة الحق لا غير، فاستحقوا بذلك لقب سيد الشهداء.
2 -قال محمد بن الحسن الشيباني: صاحب أي حنيفة - في كتاب السير الكبير: «لو حمل واحد علي ألف من المشركين، وهو وحده، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في عدو، فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم، حتي يصنعوا مثل صنيعه، فلا يبعد جوازه، لأن فيه منفعة للمسلمين علي بعض الوجوه، وإن كان قصده إرهاب العدو، وليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه، وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله، وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله: (إن الله اشتري من المؤمنين أنفسهم ... إلي غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه» [1]
3 -قال ابن خويز منداد: (من فقهاء المالكي) : «فأما أن يحمل الرجل علي مائة أو جملة من العسكر، أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج، فلذلك حالتان: إن علم وغلب علي ظنه أنه سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن، وكذلك لو علم وغلب علي ظنه أن يُقتل، ولكن سينكي نكاية أو سيبلي أو يؤثر أثرًا ينتفع به المسلمون فجائز أيضًا» [2]
4 -قال ابن حجر العسقلاني: «وأما مسألة حمل الواحد علي العدد الكثير من العدو، فصرح الجمهور بأنه إذا كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك، أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتي كان مجرد تهور فممنوع، ولا سيما إن ترتب علي ذلك وهن في المسلمين» [3]
(1) 40 / (تفسير القرطبي 2/ 364، 365) .
(2) 41 / (القرطبي 2/ 363) .
(3) 42 / (الفتح 8/ 185 - 186) .