الصفحة 8 من 11

والجدير بالذكر هنا، هو أن هذه الظاهرة اللغوية هي ما عرف في التراث العربي بالخبر والإنشاء. فقد ثبت عندهم أن الاختيارات التركيبة والدلالية لا تخضع بالضرورة إلى اعتبارات نحوية، بل لاعتبارات تداولية، كما أن الإفادة في الكلام ترجع إلى أحوال وملابسات المتخاطبين. وهذا ما أكده عند عبد القاهر الجرجاني و ابن خلدون:"ألا ترى أن قولهم (زيد جاءني) مغاير لقولهم (جاءني زيد) من قبل أن المتقدم منها هو الأهم عند المتكلم، فمن قال: جاءني زيد أفاد أن اهتمامه بالمجيء قبل الشخص المسند إليه، ومن قال زيد جاءني أفاد أن اهتمامه بالشخص قبل المجيء (المسند) ..." (18) .وهناك أفعال لغوية أخرى اكتست اكتست أهمية كبيرة عند البلاغيين والنحويين وعلماء التفسير والأصوليين خاصة، منها:

الأمر: الذي نظر إليه النحاة القدامى باعتباره صيغة لغوية يوظفها المتكلم ليعبر بها عن مستويات مختلفة من الطلب الدالة على الأمر وغيره، أي صيغة تستدعي الفعل، أو قول ينبئ عن استدعاء الفعل من جهة الغير على جهة الاستعلاء. وكذلك ذهب البلاغيون إلى وضع قواعد بلاغية تنظر إليه من زاويتين مختلفتين، زاوية الحقيقة والمجاز، مستعملين في ذلك منهجا تداوليا يقترب وبشكل كبير من الدرس التداولي الحديث، فعملوا على إبراز أهمية البنية الملفوظية وضرورة تماثلها مع المقصدية التي يكون السياق هو الفيصل في تحديدها. كما يأتي الأمر عند الأصوليين صيغة للتكليف تنصب في التشريع على وضع الحكم لأفعال المكلفين بالأمر على أوجه دلالته المختلفة من وجوب وإباحة، وندب أو حظر بالنهي على أوجه دلالته المختلفة من تحريم وكراهة (19) ،كما يعرف بـ"استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء" (20) وقد تعددت دلالة الأمر عند الأصوليين فنجد ابن النجار عد لصيغة (افعل) خمسا وثلاثين معنى (21)

النهي: يعرف ابن فارس النهي بقوله:"هو قولك: لا تفعل (22) "إذ لا صيغة له سوى المضارع مع لا الناهية، ويعرفه صاحب الإيضاح بأنه"له حرف واحد وهو"لا"الجازمة في قولك"لا تفعل"وهو كالأمر في الاستعلاء. وقد يستعمل في غير طلب الكف أو"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت