فهرس الكتاب
ينهض ليرى النور بنصوص أخرى سابقة عليه أو معاصرة له، بحيث يصعب التقاط معنى النص وشبكة دلالاته بمعزل عن إدراك القاع الذي ينهض عليه عبر اكتشافات النصوص المتداخلة في نسيجه [1] .
إن النص الأدبي الإبداعي لا يؤلف بنية مغلقة، ولا يلتزم فيه الكاتب بحالة تفرد تبعده عن نصوص أخرى؛ وإنما تشغله وتنشط فيه كثير من النصوص كانت تشغل بال الكاتب وتثير اهتماماته، على أساس أن كل نص منها هو استيعاب وتحويل لعدد كبير من النصوص [2] ، فالكلام يفتح بعضه بعضا، وتلك هي العلاقة الممكنة بين النص والنصوص التي يستلهمها ويبنى منها، سواء كانت نصوصًا أدبية أو غير أدبية، إنها علاقة اتصال وانفصال، امتصاص وتحويل، تفاعل وحوار، وهذا لا يجعل النص ثوبًا مرقعًا، انتزع كل عضو من أعضائه من جسد آخر، بل إنه يحقق وجوده كمولود جديد يثري عالم الإبداع كنص مفتوح [3] ، ولهذا تأتي أهمية دراسة الطرق التي يعتمد فيها إنتاج النص واستقباله على معرفة المشاركين (المنتج والمتلقي) بالنصوص الأخرى، والانتفاع بها أو الإحالة عليها، مع ملاحظة أنه في وسع منتج النص مبدئيًّا أن يستشهد بأي نص سابق متيسر له، غير أن النصوص المشهورة، من الناحية العملية أكثر مناسبة وملاءمة، ويعود هذا إلى سهولة التلقي، أي تيسير وصول جمهور المستقبلين إليها، حتى وإن بعدت المسافة الزمنية بين إنتاج النص الأصلي وإنتاج النص اللاحق بعدا هائلًا [4] .
خلاصة القول أن التناص ضرورة لربط العمل الأدبي بالحياة عبر الاستعانة بالنصوص الأخرى الحية سواء انتمت لعمل أدبي أو فولكلوري أو أسطوري ... أو حتى في الحد الأدنى التعبيرات الاصطلاحية في اللغة، فالتناص يجعل النص الجديد الذي يستعين به نصًّا مألوفا من ناحية، وثريًّا باستجلاب عوالم أخرى إلى عالمه؛ لتصير عناصره التكوينية في صلة ذات دلالات جديدة من ناحية أخرى، بل إن إغناء نص بمواد من نصوص أخرى هو أيضا إغناء للنصوص الأخرى وقراءة جديدة لها، ولاسيما إذا أصابتها بعض التحولات اللفظية في تركيبها، وبعض التحولات الدلالية نتيجة زراعتها في نص جديد بطريقة غالبا ما تكون بعيدة عن النص الذي كانت تنتمي إليه، فيفتح التناص الباب أمام القارئ لامتلاك النص المتناص الجديد وضمنه إلى موروثه، حيث إنه عملية نسج لثوب ناعم لا يشعرنا بأصل النصوص المستعان بها في التناص؛ ليصبح للتناص وظيفة مستقبلية تهدف لصنع واقع جديد، ويغدو التحويل الذي يصيب النصوص التراثية - خلال إدخالها إلى نص جديد - نموذجا لتحويل الواقع، ودعوة لتكنولوجيا التغير أو التحويل.
(1) قراءة النص في ضوء علاقاته بالنصوص المصادر، عبدالرحمن بسيسو، مجلة النقد الأدبي فصول، مجلد 16، عدد 1، القاهرة، صيف 1997 م، ص 88.
(2) التناص سبيلا، شربل داغر، ص 124.
(3) قراءة النص في ضوء علاقاته بالنصوص المصادر، عبدالرحمن بسيسو، ص 94.
(4) مدخل إلى علم لغة النص، روبرت دي بوجراند و ولفجانج دريسلر، ترجمة إلهام أبوغزالة وعلي خليل حمد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة الثانية،1999 م، ص 228.،